10 جوان 2026

مقدمة

في 2 ديسمبر 2025، ترأست رئيسة الحكومة، سارة زعفراني زنزري، في قصر الحكومة بالقصبة، مجلسًا وزاريًا خُصّص لتدارس مشروع المخطط التنموي 2026-2030 .[1] ويُقدم هذا المخطط الجديد على أنّه التجسيد العملي لشعار “البناء والتشييد”، الذي اُعتُمد كشعار للعهدة الحالية لقيس سعيد، وترجمة للتوجهات الاقتصادية والسياسات التنموية للسنوات المقبلة.

يستند التمشي المعتمد في تطوير هذا المخطط إلى منطق مزدوج، إذ يقوم، من ناحية أولى، على مقاربة تصاعدية تُوصَف بـ«التشاركية»، يُفترض أن تشكّل العمود الفقري للمخطط من خلال صياغة مشاريع تنطلق من المستوى المحلي، ثم تُجمّع وتُؤلّف تدريجياً على المستويات الجهوية والإقليمية، وصولاً إلى المستوى الوطني. وتتّبع من ناحية أُخرى منطق مواءمة بين المجالات المؤسسية والقانونية والاقتصادية والسياسية، وفقًا للمشروع الذي يحمله رئيس الجمهورية، بناءً على فكرة “البناء القاعدي”. وفي هذا الصدد، ينُصُّ بلاغ رئاسة الحكومة صراحة على أن مخطط التنمية 2026-2030 ” لا يُمثّل وثيقة اقتصادية فحسب، بل يُعدّ محطّة وطنية فارقة ترسم ملامح المرحلة المقبلة وتؤسّس لخيارات وتوجّهات سياسية وفقا لتوجيهات سيادة رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد”[2].

ومن بين الأهداف الرئيسية المُخصّصة لهذا المُخطّط يبرز الحدّ من التفاوتات الجهوية والمحلية. يمثل هذا الهدف، الذي يتواتر ذكره في السياسات العموميّة التونسية منذ عقود، محلّ إجماع واسع بين النخب السياسية والأكاديمية والاجتماعية. في الواقع، تحتل قضية التنمية الجهوية مكانة مركزية في الأجندا السياسية التونسية، نظرًا للأهمية الرمزية والسياسية الكبيرة التي تكتسيها، فهي لا تحيل فقط إلى اعتراف السلطات العموميّة بالمسؤولية التاريخية في مواجهة التفاوتات الجغرافية المتواصلة، بل تمثل كذلك تحديًا اقتصاديًا كبيرًا، فيما يتعلق باستغلال الموارد الجهوية والحد من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والترابية، لا سيما من حيث معدّلات البطالة ومستوى المعيشة وجودة الخدمات العموميّة. وتم إكساء هذه المسألة يعد ذلك، بُعدا أخلاقويا، حيث بات استمرار هذه التفاوتات يوظّف كدليل إدانة ضدّ نخبة سياسية متهمة بالفساد وبالاستفادة من هذه التفاوتات.

في الواقع، انصهر خطاب سعيّد منذ 25 جويلية 2021 ضمن سردية شعبوية تضع “الشعب” المُهمّش والمُفقر والمضطهد في مواجهة المركز والنخب السياسية والاقتصادية التي تقدم بوصفها فاسدة ومسؤولة عن الظلم من خلال آليات المحسوبية والريع والاستيلاء على الثروات. ومن هذا المنطلق، يغدو تحرير الشعب رهينا بتوفير أدوات قانونية ومؤسسية جديدة تُمكّنه من استرداد سيادته وقدرته على الفعل، وأن يصبح الحامل والمستفيد الرئيسي من المشاريع التنمويّة.

يندرج مخطط التنمية الجديد 2026-2030 في هذا الإطار تحديدا، غير ـأن تحليل مسار صياغة هذا المٌخطط يبيّن وجود جملة من التجاذبات والمفارقات. نلاحظ في كل مرحلة من المراحل نوعا من الانحراف عن الخطاب التشاركي المعلن. فباسم ما يُعرف بالديمقراطية المباشرة غير الحزبية والموجّهة نحو التنمية، يجري تعزيز سلطة مركزية ذات نزعة سلطوية. وهي الفرضية التي تهدف هذه الورقة إلى تبيانها بالتحليل.

وقبل التركيز على هذه الديناميكيات المعاصرة، يستوجب الأمر عودة تاريخية وسياسية إلى قضية التنمية الجهوية في تونس، والتي ستمكّننا من فهم أفضل للمسارات السابقة، ورسم ملامح الآفاق المستقبلية، فضلا عن تقديم قراءة نقدية للرهانات السياسية والاقتصادية للتنمية الجهوية، لا سيما ما تعلّق منها بتوظيفها السياسي، ووظائفها المتمثلة في إضفاء الشرعية على السلطة وارتباطها بالمسألة الديمقراطية.

التنمية الجهوية والإرث الاستبدادي والمركزي

لقد تبلورت مسألة التنمية الجهوية منذ الاستقلال) 1956) وصولا إلى الثورة(2011)ضمن دولة سلطوية اتّسمت بمركزيتها المفرطة وباعتمادها على التخطيط، وظلّ الحد من التفاوتات الجهوية أحد أهدافها المعلنة دون أن ينعكس ذلك على تخصيص الموارد و توزيعها قطاعيا و جهويا. ورغم التقدم المُحرَز في بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، فقد ظلّت التنمية متفاوتةً ترابيا، فنتج عن ذلك إعادة انتاج الاختلالات بين الجهات، بل وتعميقها. نصّت المخططات التنموية، خاصة منذ التسعينيات، على انتقاء مناطق ذات أولوية، مما رجّح كفّة المناطق الساحلية الشرقية على حساب الوسط والمناطق الداخلية[3]. وقد تجلت هذه الاختلالات بحدة خاصة في ميدان التصنيع، مما ساهم في إحداث شرخ مجالي مستدام يضع المناطق المندمجة في الديناميكيات الصناعية والخدماتية في مواجهة مناطق أخرى جرى تهميشها وانحصرت أنشطتها في أنماط إنتاج ريفية وفلاحية ذات قيمة مضافة ضعيفة[4]. وهكذا، استعمل التخطيط التنموي في نفس الوقت كأداة للتحديث الاقتصادي وكآلية للسيطرة السياسية على المجال.

اتّسمت هذه الفترة بإنشاء هياكل متخصصة في التنمية الجهوية، مثل المندوبية العامة للتنمية الجهوية (CGDR) ودواوين تنمية الجنوب والوسط الغربي والشمال الغربي، ساهمت في تعميق المعرفة بالجهات من خلال تنفيذ مخططات التنمية الجهوية وأمثلة التهيئة الترابية وخرائط الأولويات الجهوية، ممّا مكّن من تصنيف المعتمديات وفقًا لدرجة تهميشها وتحديد المناطق المؤهلة للانتفاع بمنح التنمية الجهوية. كما تم استكمال هذه المخططات ببرامج تستهدف المناطق الريفية والداخلية، بالإضافة إلى الدراسات القطاعية التي وُضعت على ذمة المستثمرين[5].

بيد أن هذا التقدم ظلّ في جوهره ثمرة مجهود تشخيص وخبرة تكنوقراطية، دون أن يجد له ترجمة سياسية على مستوى الاستقلالية الجهوية. إذ اشتغلت هياكل التنمية الجهوية كأدوات دعم تقني للوزارات المركزية، مفتقرة إلى سلطة صنع قرار حقيقية[6]، ناهيك عن انعدام المشاركة الحقيقية للجهات (المواطنون والمجتمع المدني والأجسام الوسيطة…) في عمليات صنع القرار. لقد ظلّ التخطيط خاضعاً لمنطق قطاعي، تُضبط ميزانتياته مركزيا، دون رصد اعتمادات جهوية مسبقة. وبذلك تحولت العملية التنموية منذ الثمانينيات إلى مجرد تغطية جهوية بَعدية لمشاريع وزارية جاهزة، مما كرّس تبعية الجهات للأولويات القطاعية المركزية.[7]

لم تنجح محاولات أقلمة المُخططات، لا سيما من خلال آلية «التوفيق” بين المقترحات القطاعية والجهوية، في تغيير هذه الديناميكية المركزية، خاصة وأنها كانت مدعومة بهيمنة الحزب الحاكم، التجمع الدستوري الديمقراطي، على كافة مفاصل الإدارات المركزية والجهوية. علاوة على ذلك، أدى تدخل الدولة المحدود على مستوى البنى التحتية والخدمات العمومية في المناطق الداخلية إلى تثبيط الاستثمار الخاص وساهم في إعادة افراز عدم المساواة جغرافيا.

وهكذا، كانت التنمية الجهوية بين عامي 1956 و 2011 جزءًا من مقاربة تسلطية للاختلالات الجهوية، يُنظر لها كمشكلة اجتماعية يجب احتواؤها بدلاً من اعتبارها قضية سياسية تتعلق بإعادة توزيع السلطة. يمثّل إرث المركزية المُفرطة أحد الأسس الهيكلية للمطالب التي أدت إلى ثورة 2011 ومازال يؤثر على المسارات المعاصرة للتنمية الجهوية في تونس.

الانتقال الديمقراطي واللامركزية: مسار طموح ولكنه هش

مثّلت ثورة ديسمبر 2010 جانفي 2011 قطيعة سياسية كبرى وضعت قضية التنمية الجهوية في قلب النقاش العام، إذ انطلقت التحركات التي أدت إلى سقوط نظام بن علي من المناطق الداخلية المهمّشة. بذلك، لم تعد التنمية غير المتكافئة والتفاوتات الجهوية مجرد قضية اجتماعية واقتصادية رئيسية، بل تحوّلت إلى مظلمة سياسية أساسية. ومنذ ذلك الحين، برزت التنمية الجهوية كأحد أسس التحول الديمقراطي وكشرط لشرعيته الاجتماعية.

وتجسد هذا التحول في الإقرار الصريح بالبعد الجغرافي للتفاوتات على الصعيدين السياسي والمؤسسي. لقد كرّس صدور “الكتاب الأبيض” عام 2011، والمخصّص للاختلالات الجهوية، اعترافاً رسمياً بمسؤولية السلطات العمومية في «تصحيح التفاوتات بين الجهات عبر تحفيز ديناميكية تقاربية بين الجهات”.[8] كما كرّس دستور عام 2014 اللامركزية كمبدئ أساسي ارتكز عليه التنظيم الترابي للدولة، مانحا الجماعات المحلية دورا محوريا في المسار التنموي والسياسي. يمثل انتخاب المجالس البلدية في عام 2018، وكذلك صدور مجلة الجماعات المحلية في نفس العام، محطّة هامة في تفعيل هذا المسار، من خلال اعتماد تمثيلية محلية منتخبة، ومبدأ التدبير الحر، وكذلك مبدأ التمييز الإيجابي وفتح مساحات للمداولات الجهوية[9]. تسمح هذه الآليات بإعادة هيكلة التنمية الجهوية لا فقط بصفتها سياسة تعويضية يقودها المركز، ولكن كمسار منخرط في المجال الترابي ويستند إلى رؤية تشاركية وشاملة.

إلا أن تفعيل هذا المسار عرف سياقا معطّلا، إذ ظلت عملية نقل الصلاحيات والموارد المالية إلى السلطات المحلية غير مكتملة بسبب مقاومة الإدارة المركزية والقوى السياسية التي وصلت إلى السلطة بعد انتخابات عام 2014، في حين ظلت عمليات التخطيط والبرمجة إلى حد كبير رهينة الوزارات المركزية والمنطق القطاعي الموروث. ولا تعكس مواطن القصور هذه تشكيكا في مبدأ اللامركزية بحد ذاته، بقدر ما تعكس مجموعة من العوامل الهيكلية كعدم الاستقرار السياسي، وضعف الموارد الإدارية المحلية، والقيود المفروضة على الميزانية، والأزمات الاقتصادية، وتداعيات جائحة كوفيد-19، والمقاومة البيروقراطية داخل الدولة المركزية[10].

من هذا المنظور، لا يمكن تفسير النتائج المتباينة لفترة ما بعد عام 2011 على أنها مؤشر على إخفاق ذاتي في صلب مشروع اللامركزية. بل تشير إلى مسار مؤسسي غير مكتمل، لا يزال في مرحلة التمرُّس، ولا يمكن أن تكون آثارها على التنمية الجهوية فورية أو منتظمة[11]. وتكمن هشاشة هذا المسار على وجه التحديد في التناقض بين الطموح المعياري للإطار الدستوري والقانوني وبطء وتيرة تنفيذه الفعلية.

وقد غذى هذا الانفصال بين الوعد السياسي والواقع المؤسسي تدريجياً خيبة أمل اجتماعية وجهوية، مما مهّد الطريق لمُساءلة أكثر جذرية للتجربة الديمقراطية وصعود خطابات تطعن في اللامركزية والتعددية السياسية باسم النجاعة والعدالة الاجتماعية، والتي تجسدت في أعقاب انقلاب 25 جويلية 2021.

تشكّلت على هذ القاعدة منذ ذلك الحين المرحلة التي أطلقها الانقلاب الدستوري، والتي تعد بإعادة تصميم التنمية الجهوية عبر خطاب يقدم نفسه على أنه تصاعدي وتشاركي، في حين يعمل في الوقت ذاته على إعادة تركيز السلطة السياسية والمؤسساتية. إن تحليل هذه المرحلة، يمكّن من فهم كيفية توظيف التنمية الجهوية اليوم كخزان خطابي وأداة سياسية ورافعة لإضفاء الشرعية على السلطة التنفيذية، بالتوازي مع التساؤل عن تداعياتها الحقيقية ترابيا وعلى معيشة السكّان.

I. التنمية الجهوية كخزان خطابي لقيس سعيد

منذ 25 جويلية 2021، بنى قيس سعيد استراتيجيته السياسية حول محورين رئيسيين: إضفاء الشرعية على سلطته من طرف “الشعب” والتركيز على خطاب يدور حول التفاوتات، خاصة على المستوى الجهوي. ترتبط هذه المحاور ارتباطًا وثيقًا بخطابه الشعبوي، الذي يقابل بين الـ “نحن” الفاضلون بـ”هم” الفاسدون، وبمعاداة المؤسساتية التي تشرّع الطعن في هياكل الانتقال الديمقراطي ما بعد الثورة[12].

إن مفهوم الشعب الذي يستنهضه سعيد لا يتطابق مع التعريف الكلاسيكي للمواطن بالمعنى القانوني للكلمة. إنه يُصنّفُ اجتماعيا، أولاً وقبل كل شيء، على أنه “عامّة”، تنحدر من فئات مهمشة، تاريخياً مقصية من السلطة السياسية، وتطمح إلى أن تصبح “شعبًا”، (populus) أي مجتمعًا قادرًا على المشاركة مباشرة في المداولات السياسية[13]. يضع هذا المفهوم “المحرومين” و “الوطنيين المخلصين” في مواجهة النخبة السياسية التي صُنّفت على أنّها فاسدة. يتخذ الاستقطاب الذي يكرسه هذا التصور أبعاداً أخلاقية ورمزية، إذ يُصنَّفُ خصوم الشعب في خانة «الخونة» و«اللصوص» و«المجرمين». هذا الشعب هو أيضا جماعة هوياتية (ethnos):، فهو يقوم على القيم المجتمعية الإسلامية و العربية والدفاع عن قضايا “الأمة”[14]. يتم استبعاد أي جماعة يُنظر إليها على أنها “فاسدة لارتباطاتها الخارجية”، مثل منظمات المجتمع المدني أو شخصيات المعارضة السياسية أو تلك العاملة في الحقل الإعلامي وفقًا للرئيس، من هذا الشعب. تتقاطع هذه الرؤية مع سردية ثورية تتمحور حول «الانفجار» الذي شهدته ولايات سيدي بوزيد وقفصة والقصرين في ديسمبر 2010، وهي مناطق ترمز للجهات المهمشة. بموجب ذلك، أُعيد الاعتبار ل 17 ديسمبر كتاريخ رسمي للثورة، في خطوة رمزية لربط الصلة مع الشعب “الأصلي” الذي اُستبعد حسب هذه الرواية من انتقال 2011 الذي يرمز إليه تاريخ 14جانفي.

في الوقت نفسه، تحتل التنمية الجهوية مكانة مركزية في مشروع قيس سعيد السياسي، لا فقط بصفتها قضية اقتصادية، ولكن، خصوصا، بصفتها أداة رمزية وخطابية. يتم استحضار التفاوتات الجهوية باستمرار، لا فقط لوصف التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، ولكن، أساسا، لخدمة سردية أخلاقية وسياسية مفادها أنه تم “التخلي” عن بعض المناطق تاريخياً من قبل دولة مركزية لفائدة نخب متهمة بالزبائنية. في هذه السردية، لا تعتبر أوجه عدم المساواة هذه مجرد اختلالات يجب التعامل معها سياسيًا، بل أدلة ملموسة على فشل الأنظمة السابقة، وتُستخدم لتبرير حصر السلطات بين يدي السلطة التنفيذية.

تندرج رمزية التفاوتات الجهوية منذ الثورة ضمن معجم أوسع: فهي تسمح بتقديم إصلاح التنمية الجهوية على أنه تجسيد لـ “الديمقراطية الحقيقية”[15]، على النقيض من الديمقراطية المغشوشة لحكومات مرحلة الانتقال الديمقراطي. في هذا السياق، تصبح التنمية الجهوية أداة لإضفاء المشروعية حيث تضع السلطة التنفيذية نفسها كضامن للعدالة المجالية والسيادة الشعبية، عبر توظيف آليات قانونية ومؤسسية لتمكين الشعب من تنفيذ المشاريع والإشراف عليها. يحول هذا الخطاب المناطق المهمشة إلى رموز للانعتاق المواطني، حيث يُدعى الشعب إلى أن يكون فاعلا ومستفيدا مباشرا من مشاريع التنمية.

من ناحية أخرى، تندرج هذه الاستراتيجية ضمن تمش سلطويٍّ بواجهة “ديمقراطية”. حيث يقوض الرئيس سعيد كافة هياكل مسار الانتقال الديمقراطي: هياكل اللامركزية، والقوانين السابقة المتعلقة بالسلطة المحلية، والقوانين الانتخابية، وآليات المشاركة السياسية المرتبطة بالأحزاب السياسية.[16]. وعوضا عنها، قام الرئيس، بمقتضى مراسيم، بارساء مؤسسات جديدة[17]، ومجالس محلية وجهوية ومجالس أقاليم، ومجلس وطني للجهات والأقاليم، وشركات أهلية يتم تقديمها كأدوات للديمقراطية المباشرة والمشاركة السياسية وتهدف إلى تقليص الفجوة بين الشعب والدولة. يسمح وهم الديمقراطية المباشرة، في غياب أجسام وسيطة، بإضفاء شرعية على عملية اقصاء الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني، وهي أطراف تُصوَّر بوصفها نخبًا طفيلية كانت “ركبت” على الثورة لخدمة مصالحها.

يضع قيس سعيد بشكل منهجي الشعب في مواجهة النخبة، مذكراً بأن الثورة وُلدت من رحم المناطق المهمشة وأنها، قبل كل شيء، شعبية وليست مؤسسية و/أو حزبية. وهكذا يتم تقديم المؤسسات السياسية التقليدية على أنها منفصلة عن الإرادة الشعبية وغير قادرة على تصحيح المظالم الجهوية. فتصبح التنمية الجهوية بهذا المعنى رافعة رمزية وأخلاقية: تتعلق بإعادة بناء دولة موحدة، منسجمة مع الشعب من خلال المشاركة التصاعدية التي تشرف عليها السلطة التنفيذية.

في هذا الصدد، تزامن خطابه مع تغييرات مؤسسية عميقة: حيث يعبر الدستور الاستفتائي والتفويضي الجديد، وإعادة هندسة المشهد المؤسسي والسياسي، واستبعاد الأجسام الوسيطة، مع نسب المشاركة المنخفضة[18]، على الهشاشة الحقيقية لما سُمّي ديمقراطية “مباشرة”. فتصبح التنمية الجهوية بذلك أداة خطابية وسياسية مركزية، يتم توظيفها لتبرير هذه التحولات الاستبدادية، مع تقديم صورة لدولة تعمل على تصحيح المظالم و”تحرير” الشعب المهمش رمزياً.

علاوة على ذلك، يمكن اعتبار خطاب قيس سعيد، في بعض جوانبه شكلا من أشكال الشعبوية اليسارية[19] ، من حيث اعتماده على خطاب مناهض للنخب ومسائل تتعلق بإعادة توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية. تُصبح المناطق الهامشية مسرحا للوعود التنموية الاقتصادية والاجتماعية وتُقدم على أنّها تتعارض مع الحريات السياسية والمدنية التي حملتها تجربة الانتقال الديمقراطي، والتي باتت موضع تشكيك بدعوى أنها مصدر لعدم الاستقرار، وحتى “مناهضة للشعب”. هذا ويتم الترويج لهذه الوعود كوسيلة للحد من التفاوتات وتصحيح المظالم التاريخية. بيد أن هذا البعد الاجتماعي يقترن بمنطق استبدادي حيث يتم تأطير المشاركة المحلية قانونًيا من خلال هياكل تابعة للسلطة المركزية، مع تعزيز السلطة العمودية للدولة باستبعاد أجسام الوساطة السياسية[20].

II. التنمية الجهوية كأداة سياسية ومؤسسية: الوعود والإنجازات والأوهام

لا يمكن فصل تحليل سياسات التنمية الجهوية خلال رئاسة قيس سعيد عن المشروع السياسي الذي تستمد منه جوهرها. وقد تبلور هذا المشروع وفُرِض تدريجياً عبر سلسلة من المراسيم، وهو ما يعكس إعادة هندسة عميقة لآليات الحوكمة والفعل السياسي. يكمن جوهر هذا المشروع في الرغبة المعلنة في إعادة تأسيس الدولة “من القاعدة”، من خلال تفضيل منطق تصاعدي للبناء المؤسسي والتشريعي. يعبر هذا التوجه عن نفسه بشكل خاص من خلال الشركات الأهلية وإنشاء آلية الصلح الجزائي، التي يتم تقديمها كأدوات للتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية على حد سواء. ومع ذلك، تثير هذه الترتيبات تساؤلات مهمة حول تماسكها الداخلي وشروط تطبيقها واستتباعاتها السياسية، لا سيما في سياق يتسم بتركز السلطة التنفيذية وتوسع السلطة المركزية على حساب الاستقلالية الجهوية.

1. أسطورة البناء القاعدي للديمقراطية أمام امتحان الممارسة

يعتمد المشروع الذي يقوده قيس سعيد على ما يصفه بـ “البناء القاعدي”، والذي قُدم على أنه إعادة تأسيس للسلطة التشريعية انطلاقا من الدوائر المحلية. في كل معتمدية، يتم انتخاب مجالس محلية عبر نظام الاقتراع على الأفراد في دورتين، مع إقرار مبدأ سحب الوكالة. ومن المفترض أن تمثل هذه المجالس المصالح المحلية وتقترح مشاريع التنمية المحلية. ويتمّ اختيار عضو بالقرعة من كل مجلس محلي لتمثيل المعتمدية في مجلس جهوي على مستوى الولاية وتكون عضويتهم بالتناوب كل 3 أشهر بالقرعة، ينتخب المجلس الجهوي ممثلا عن المعتمدية في مجلس الإقليم -تقسيم ترابي غير محدد بعد- و3 أعضاء لمجلس الجهات والأقاليم وينتخب مجلس الإقليم بدوره ممثلا عنه في المجلس الوطني لتكتمل تركيبة الغرفة الثانية التشريعي التي تتمتع بصلاحيات تشريعية في المسائل المتعلقة بالميزانية والمخطط التنموي.

على المستوى المعياري، يندرج هذا البناء في إطار خطاب الديمقراطية التشاركية الذي يهدف إلى تجاوز الوساطة الحزبية، المتهمة بمصادرة السيادة الشعبية. يهدف المشروع، من خلال استبعاد الأحزاب السياسية من العملية الانتخابية، إلى إرساء علاقة مباشرة بين المواطنين والمؤسسات، في قطيعة مع مبادئ الديمقراطية التمثيلية الكلاسيكية. ومع ذلك، يستند هذا المفهوم إلى رؤية اختزالية للمشاركة السياسية تقتصر على انتخاب هياكل محلية، مع غياب آليات مؤسسية للتداول أو صنع القرار المشترك أو الرقابة المواطنية المستمرة، كما تم تحليلها في الأدبيات المتعلقة بالديمقراطية التشاركية والتداولية[21].

تثير إعادة هندسة المشهد الترابي المرافقة لهذا المشروع كذلك تساؤلات جوهرية أمام نظريات اللامركزية وسياسات التنظيم الترابي. يستند التقسيم الجديد إلى تجزئة أكبر للمجال المحلي، من خلال مجالس من المفترض أن تمثل المصالح المحلية البحتة. ثم يتم تجميع هذه المجالس على المستوى الجهوي (الولايات) ثم يتم دمجها في خمس أقاليم لا تزال معايير رسم حدودها مبهمة ولا يبدو أنها تستند إلى تحليلات ديموغرافية أو اقتصادية أو جغرافية منهجية[22]. بيد أن هذه التقسيمات الترابية والإدارية تفترض تحديدا مسبقا للصلاحيات والموارد وآليات التنسيق، وهي مقومات غائبة بشكل جلي في هذا السياق.

من الناحية العملية، تفتقر المجالس المحلية والجهوية إلى السمات الأساسية للامركزية. فهي تفتقر إلى الصلاحيات التنفيذية الواضحة والاستقلالية المالية والقدرات الإدارية والتقنية اللازمة لتصميم وتنفيذ السياسات العمومية المحلية[23]. وبالتالي يقتصر دورها على وظيفة التمثيل الترابي الرسمي، في ظل غياب سلطة صنع قرار حقيقية تنظر في أولويات التنمية أو اعتمادات الميزانية أو أدوات الفعل العام. ينتج عن هذا الانفصال بين المسؤولية السياسية والقدرة على العمل لامركزية غير مكتملة، بل وهمية، حيث تكون المشاركة المحلية رمزية أكثر من كونها عملية.

أخيرًا، تكشف هذه الهندسة المؤسسية عن اختلال بنيوي بين مختلف مستويات الحوكمة. فبينما تتّسم المستويات المحلية والجهوية بطابعها المجزأ والضعيف مؤسسيًا، تظل السلطة التنفيذية مُمركزة للغاية على المستوى الوطني. تتركز معظم الصلاحيات الحكومية في يد رئيس الجمهورية (السلطة التنفيذية)، بما في ذلك تعيين وإقالة رئيس الحكومة، وهو ما يتعارض مع خطاب “البناء القاعدي” مما يطرح تساؤلا حول مدى انسجام النموذج المقترح. فبدلاً من إرساء حوكمة قائمة على التسيير القاعدي، نجد أنه يميل إلى إعادة تركيز للسلطة تأطرها هياكل تمثيل محلي تفتقر لأي قدرة على التغيير.[24].

وبالتالي، تصبح الديمقراطية القاعدية وهمًا، وآلية رمزية تضفي الشرعية على المركزية الاستبدادية. يشارك الممثلون المحليون في صياغة الخطاب، ولكنهم لا يشاركون في صنع القرار النهائي. يتم تأطير المشاركة القاعدية من قبل دولة أبوية، حيث يظل الرئيس المركز الوحيد للسلطة.

ضمن هذا السياق المؤسساتي القائم على مفارقة بين التوسع الشكلي للمشاركة المحلية والمحدودية المادية، يغدو من القصور اختزال إشكالية التنمية الجهوية في مجرد قنوات التمثيل السياسي. في مواجهة الحدود الهيكلية للمجالس المحلية والجهوية، يقوم المشروع الرئاسي بتوظيف الأدوات الاقتصادية التي يُفترض بها أن تعوض غياب القدرات التنفيذية والمالية للهيئات الترابية. وهكذا تقدم الشركات الأهلية كآلية أساسية، تقدم على أنها رافعة للتنمية المحلية وأداة للإدماج الاجتماعي والاقتصادي[25].

2. الشركات الأهلية والصلح الجزائي: الذراع الاقتصادي للبناء القاعدي

في إطار سعيه لإعادة تفعيل البعد الاجتماعي والاقتصادي للّحظة الثورية، يعتمد قيس سعيد على مقاربة “تنموية” خلاصية، تشكل الشركات الأهلية وآلية الصلح الجزائي ركائزها الأساسية. تُقدّم هذان الآليتان باعتبارهما الترجمة الاقتصادية «للبناء القاعدي» حيث يَعِدان بإعادة السيادة السياسية للشعب، وكذلك أدوات الفعل الاقتصادي. وفقًا لهذه الرؤية، يكفي استعادة “الأموال المنهوبة” وإعطاء المجتمعات المحلية إمكانية الوصول إلى “المقدرات الاقتصادية” لينطلق مسار جديد لخلق الثروة على قاعدة المشاركة والانتماء الجغرافي والوحدة الأخلاقية الموروثة من الثورة.[26]

في المقابل، يعتمد هذا التمثيل على فرضية ضمنية قوية مفادها أن التفاوتات الجغرافية والأزمة الاقتصادية التونسية ليست نتاجًا للهياكل الاقتصادية أو علاقات القوة الاجتماعية أو خيارات الاقتصاد الكلي، بقدر ماهي نتيجة مباشرة لنهب لاأخلاقي للموارد من قبل النخب الفاسدة. بهذا المعنى تتحول التنمية إلى قضية «استرداد» بدلاً من أن تكون عملية “تحول هيكلي”.

تتبوأ الشركات الأهلية مكانة محورية في هذه الرؤية، فهي تجسد فكرة تبسيطية مفادها أن التنمية المحلية يمكن أن تتحقق بشكل عفوي بمجرد أن تتقاسم مجموعة من السكان نفس المساحة الجغرافية وتتفق على مشروع اقتصادي. تفترض هذه المقاربة أن القرب الجغرافي والتجانس الاجتماعي يكفيان لتأمين التنسيق الاقتصادي وخلق فرص العمل وخلق الثروة.

بيد أن هذا المنظور يٌكرّس، في تقديرنا، مساراً لإفراغ التنمية من مضمونها السياسي. لا يُنظر إلى الشركات الأهلية على أنها جهات فاعلة اقتصادية مستقلة في منظومة إنتاجية وطنية، بل على أنها امتدادات محلية لمشروع سياسي مركزي[27]. بالإضافة إلى ذلك، يعكس انغراس هذه الشركات بشكل شبه حصري على مستوى المعتمدية رؤية اختزالية للتنمية الجهوية، حيث تم تحويلها إلى مجرد عملية تجميع لمشاريع قُرب صغرى متجاورة، تفتقر إلى أي ترابط استراتيجي، قطاعي، أو اقتصادي كلي.

يقطع هذا التوجه صراحة مع الأطر القائمة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني رغم مأسسته الفعلية قبل عام 2021[28]. ففي حين يرتكز هذا الأخير على بناء تدريجي وتعددي يتمتع باستقلالية تجاه السلطة السياسية، تندرج الشركات الأهلية ضمن علاقة تبعية وثيقة للدولة المركزية. تخضع المشاركة التي تُروج لها هذه الشركات لتأطير ومرافقة صارمة من قبل الدولة المركزية[29]. في الواقع، يكشف هذا الدور الكبير للإدارة المركزية في إنشاء ومرافقة هذه الشركات، بل وحتى في ضمان بقائها، تناقضا مهما: فبقدر ما تُقدَّم هذه الشركات باعتبارها تجسيداً للمبادرة الشعبية، بقدر ما تزداد تبعيتها للسلطة التنفيذية من أجل ضمان وجودها. تُحوّل هذه التبعية مشروعًا كان يفترض به تحقيق الانعتاق الاقتصادي إلى أداة لمركزية جديدة مٌقنّعة.

من الناحية الاقتصادية، تعاني الشركات الأهلية من وهم أساسي[30] وهو الاعتقاد بإمكانية تحقيق تنمية محلية ذاتية وعفوية، منبتّة عن القيود الهيكلية للاقتصاد التونسي. من خلال التركيز على أنشطة محلية ذات قيمة مضافة ضعيفة، كالفلاحة والخدمات المرتبطة بها أو خدمات القرب، يتجاهل مشروع الشركات الأهلية قضايا جوهرية تتعلق بالإنتاجية، والاندماج في سلاسل القيمة، والأسواق، والاستدامة المالية. علاوة على ذلك، يتعزز قصر النظر الاقتصادي هذا بسبب غياب رؤية صناعية أو قطاعية وطنية. صُمّمت المشاريع على قاعدة “احتياجات محلية” يُفترض أنها بديهية، وليس على أساس المفاضلات السياسية الصريحة حول الأولويات الاقتصادية للبلاد. وبالتالي، تُختزل التنمية الجهوية في استجابة آنية لحالات طوارئ اجتماعية مما يجعلها عاجزة عن إنتاج مسارات نمو متوسطة أو طويلة المدى.

بل إن تراكم الامتيازات الجبائية والمالية والعقارية الممنوحة للشركات الأهلية يعكس منطقا يقوم على الاستعجال والارتجال. إن هذه الامتيازات الممنوحة في ظل غياب رؤية شاملة، تجعل هذه الهياكل رهينة استمرار هذه الموارد العمومية[31] عوض الاستدامة الاقتصادية الحقيقية.

يمثل الصلح الجزائي الركيزة الثانية لهذا النموذج. ويُنظر إليه على أنه مصدر للتمويل يمكن استخدامه لدعم الشركات الأهلية، وعلى نطاق أوسع، التنمية المحلية. هنا مرة أخرى، يغلب المنطق الأخلاقوي على المنطق الاقتصادي، فهذه السياسة تبدو إصلاحا رمزيا للحيف من خلال تمويل تنمية المناطق المهمشة من قبل أولئك الذين يُفترض أنهم ساهموا في إفقارها. تُحدث هذه الآلية تحولًا جوهريا، حيث تستبدل العدالة الانتقالية، القائمة على كشف الحقيقة والمسؤولية وضمان عدم التكرار بمنطق تعاقدي موجه نحو استدرار سريع للموارد المالية. تصبح التنمية بهذا المعنى نظيرا للتخلي عن العدالة السياسية والذاكرة الجماعية[32].

على المستوى المؤسسي، يُكرّس الصلح الجزائي تركز الصلاحيات مركزيا. يخرج اختيار المشاريع وموقعها ومتابعتها إلى حد كبير عن نطاق المؤسسات المحلية والآليات التقليدية للرقابة الديمقراطية. تكشف المشاركة المتزايدة للهياكل المركزية في توجيه الأموال أن المشاركة المحلية المُعلنة تخضع لقرار نهائي مركزي بحت.

من الناحية العملية، أثبت الصلح الجزائي، بصيغته الأصلية، أنه قليل الجدوى، بل محكوم عليه بالفشل من الناحية الهيكلية، إذ ظلت قيمة الأموال المسترجعة فعليا دون سقف الطموحات المعلنة والانتظارات التي أثارتها السلطة. ورغم إرجاع الرئيس قيس سعيّد هذا الإخفاق إلى أداء اللجنة وكفاءة أعضائها، إلا أن المراجعة شملت الإطار القانوني نفسه (المرسوم المنظم للصلح)، توازياً مع إعادة تشكيل اللجنة التي يُعين أعضاؤها مباشرة من قبل الرئيس. وبعيداً عن التبريرات القانونية أو التقنية، هدف هذه التنقيح إلى «تسهيل» إجراءات استرداد الأموال عبر تجاوز “التعقيدات الإجرائية”.

وقد اقترن هذا التنقيح بتعزيز مركزية منظومة الصلح الجزائي، لا سيما عبر إدماج وزارة العدل ومجلس الأمن القومي في معالجة الملفات ومتابعتها، سواء تعلق الأمر بعقود الصلح المبرمة مع المعنيين، أو بالمشاريع التنموية المفترض أن تشكل المقابل المادي للالتزامات المالية المطلوبة في إطار هذه الآلية.

في الختام، تجسد الشركات الأهلية والصلح الجزائي خللا بنيوياً في مشروع قيس سعيد يتمثل في الفجوة بين خطاب تحرري وممارسة سلطوية. فالمشاركة الشعبية، رغم استحضارها الدائم، تظل محصورة في التزكية الرمزية لمشاريع يتم تصميمها وتمويلها والتحكم فيها من قِبل المركز. وبذلك، تتحول التنمية الجهوية إلى «آلية استعراضية»؛ فهي لا تغير البنى الاقتصادية أو موازين القوة الترابية في العمق، بقدر ما تسمح بإعادة إنتاج سردية «الدولة العادلة» المستردّة للسيادة الشعبية. إن وهم المشاركة يحجب واقعاً أكثر كلاسيكية يتعلق بدولة مركزية توظّف الجغرافيا كمورد سياسي، دون أن تمنحها سلطة فعلية.

3. مخطط التنمية 2026-2030: مشاركة صورية دون سياسة

يحتل مخطط التنمية 2026-2030 مكانة محورية في خطاب ومشروع قيس سعيد، حيث يُقدَّم باعتباره الترجمة التخطيطية لـ«البناء القاعدي»، ومن المفروض أن يقطع مع عقود من السياسات العمومية المركزية، والمنفصلة عن «الاحتياجات الحقيقية للشعب». وفي هذا السياق، تُمثّل عبارة “التصعيد والتأليف” أحد أبرز العلامات الخطابية المميزة للمخطط الجديد، حيث يُفترض أن ينطلق المسار التنموي من المجالس المحلية ثم من بعد ذلك إلى المجالس الجهوية مرورا بالأقاليم وصولاً إلى المركز الذي يقتصر دوره على التأليف والتنسيق[33].

بيد أن هذا الوعد بالقطع مع الماضي يستحق المساءلة على ضوء الممارسات، ولكن خصوصا من خلال قراءة متأنية لموازين القوة وأشكال المشاركة والمكانة الممنوحة للوساطة السياسية.

في الواقع، يستند الخطاب الرئاسي ضمنيًا إلى فكرة أن مخططات التنمية السابقة كانت “مفروضة من قبل المركز”، دون اعتبار حقيقي للخصائص الجغرافية أو مشاركة الجهات الفاعلة المحلية، غير أن تحليل المنهجيات المُعتمدة في عمليات التخطيط السابقة، لا سيما تلك التي تم تقنينها في عام 2016، يكشف عن واقع أكثر تباينا. وقد استندت هذه المنهجيات بالفعل إلى الربط بين اللجان القطاعية الوطنية، ذات صبغة تقنية واستراتيجية، واللجان الإقليمية، المسؤولة عن التشخيص الترابي وتحديد الأولويات المحلية وتثمين موارد محددة، فضلا عن إرساء مستوى وطني للتشاور يتولى ترتيب الأولويات والتحكيم بين المطالب الجغرافية والقطاعية[34].

وبعبارة أخرى، خلُصت المنظومات السابقة صراحة إلى الحاجة إلى تنسيق متعدد المستويات في مسألة تحديد الخيارات التنموية. لم يستحدث مخطط 2026-2030 مبدأ المشاركة، بل أعاد تعريف أشكالها.

تتميز المنهجية المعتمدة لمخطط التنمية 2026-2030 بمشاركة شديدة التقييد ترابيا وتقتصر على المجالس المحلية والجهوية والمستويات المستحدثة مؤخرا. ويستند هذا التصور إلى مفهوم ضيق للمشاركة يختزلها في التعبير عن الاحتياجات المحلية، دون وجود فضاء للمداولات البرنامجية. لا يشارك المواطنون كفاعلين سياسيين، ولكن كأعضاء في وحدات محلية من المفترض أن تصوغ أساسا مطالب محلية وفورية. ويرافق هذا التحول تهميش صريح للأجسام الوسيطة (الأحزاب والنقابات والجمعيات) تحت شعار الاستعادة المباشرة للسلطة من طرف الشعب. بيد أن هذا الإقصاء لا يقوم بتعزيز السيادة الشعبية، بل يجرّد المشاركة السياسية من فاعليتها، من خلال حرمانها من التنظيمات التي من دورها “تجميع المصالح الفردية” وتحويلها إلى برامج سياسية تتنافس في الفضاء العام.

إنّ تقديم المخطط على أنه تتّخذ مسارا تصاعديا، لا ينفي أنّ هندسته المؤسساتية تكشف عن مركزية مستمرة، بل ومعززة لسلطة صنع القرار. لا يقتصر الدور المسند إلى المركز على دور الحكم التقني المسؤول عن ضمان الاتساق الوطني فحسب، بل دور الجهة الفاعلة التي تتمتع بسلطة تقديرية لاختيار المقترحات المحلية وتحديد أولوياتها وإعادة صياغتها.

إن هذا الوعد بمشاركة معممة يستوجب، مرة أخرى، المساءلة، لا فقط على ضوء الممارسات السابقة، بل أساساً انطلاقاً من ميزان القوة غير المتكافئ الذي يسوس هذا المسار ويجدّد نتائجه. في الواقع، منذ المراحل الأولى من صياغة المخطط، سلّط الخطاب الحكومي الضوء على البعد الكمي للمسار[35]، حيث أعلنت رئاسة الحكومة تشريك 279 مجلساً محلياً و24 مجلساً جهويا و5 مجالس أقاليم تتوزع جلسات عملها على النحو التالي:

  • 3317 جلسة عمل على مستوى المجالس المحلية.
  • 154 جلسة عمل على مستوى المجالس الجهوية.
  • 12 جلسة عمل على مستوى مجالس الأقاليم.

وقد تُوّج هذا المسار ب 35,435 مقترح مشروع، 90.6 ٪ منها محلية بحتة.

وتسعى هذه الأرقام، التي حظيت بترويج واسع، إلى إثبات الطابع الشامل وغير المسبوق لهذا المسار.  بيد أنّ هذا التضخم الكمّي يخفي عجزًا نوعيًا جوهريا، إذ تختزل المشاركة في عدد الاجتماعات والمشاريع المرفوعة، لا بقدرة الفاعلين المحليين على التداول وترتيب الأولويات والحسم في الخيارات التنموية.

وبعبارة أخرى، يُنظر إلى المشاركة هنا على أنها ضرب من ضروب الإنتاج الإداري (حصر المشاريع، وعقد الاجتماعات، وملء الجداول، وما إلى ذلك) بدلاً من النظر إليها كمسار تداولي تتقابل فيه رؤى فاعلين ذوي مصالح متباينة، لبلورة الأولويات والتحكيم عند الاختيار. وبذلك، تتحول التنمية إلى مجرد تراكم لمشاريع صُغرى تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية وإلى مقتضيات الانسجام الاقتصادي الشامل. وليس هذا التحول محايدا من الناحية السياسية، ففي غياب تراتبية محلية واضحة للأولويات، يتم اعادة مركزة سلطة التحكيم آليا، إذ لم تعد القاعدة هي التي تختار، بل غدا المركز هو المسؤول عن الانتقاء والتصنيف وإعادة الصياغة[36] مستندا في ذلك إلى الشرعية الإجرائية التي تمنحها المشاركة الحاشدة قبليا. وهكذا، فإن التضخم الكمي للمشاركة لا يعكس تعميقا للممارسة الديمقراطية، بقدر ما يجسّد إفراغا للخيارات التنموية من جوهرها السياسي، إذ يتم تحييد تباين المصالح والاختلافات الأيديولوجية والبدائل الاستراتيجية لفائدة مشاركة خاوية من سلطة القرار، يشارك فيها “الشعب” مشهديا دون قدرة فعلية على اتخاذ القرار.

علاوة على ذلك، يكمن جوهر المفارقة في الدور المنسوب إلى المركز في مسار يُوصف مع ذلك بأنه قاعدي. من الناحية الرسمية، تكتفي السلطة المركزية بدور الدعم التقني والتأليفي. أما في الممارسة العملية، تلعب هذه السلطة دورًا حاسمًا في تأطير المجالس المحلية وتدريبها وتوجيهها في صياغة مقترحاتها.

تضمن وزارة الاقتصاد والتخطيط، بالتنسيق مع الوزارات الأخرى، ما[37] يلي:

  • تدريب ومرافقة المجالس المحلية والجهوية،
  • نشر الأُطر المنهجية،
  • مواءمة المقترحات مع الأولويات المحددة مسبقًا.

ونتيجة لذلك، تتحول مشاركة المجالس المحلية أو الجهوية إلى تمرين على الامتثال بدلاً من الاستقلالية. فالتصعيد هنا ليس حركة تنبع من الأطراف نحو المركز، بل عملية صعود مشروط، حيث تتحدث القاعدة لغة مُلقّنة جرى ضبطها والمصادقة عليها من قبل القمة.

تُولّد هذه الآلية انحرافًا كلاسيكيًا لمفهوم السلطة التشاركية، فبقدر ما يؤكد المركز على “إعادة الكلمة للشعب”، بقدر ما يُعزز قدرته على ضبط هذه الكلمة. من خلال تدريب المجالس المحلية على تصور للتنمية مبني وفقًا لنماذج تقنية مفروضة، تُحوّل السلطة المركزية المشاركة إلى أداة لإضفاء الشرعية على توجهاتها الخاصة.

وعليه، تبدو المجالس المحلية وكأنها هيئات إسناد خارجي للمسؤولية السياسية، فهي تفرز آلاف المشاريع، لكنها تفتقر إلى الموارد المالية، والقدرة على اتخاذ القرار، وهوامش التحكيم الضرورية لتنفيذها، في حين يستأثر المركز بصلاحية الاختيار النهائي بمنأى عن أي مساءلة أو واجب تقديم التوضيحات للفاعلين على المستوى المحلي.

في نهاية المطاف، يُجسّد مخطط التنمية 2026-2030 تناقضًا جوهريا لمشروع قيس سعيد، فهو يعلن سيادة القواعد ويكرّس، في الوقت ذاته، مركزية السلطة التنفيذية. تصبح المشاركة، التي تم إفراغها من بعدها السياسي والصراعي، أداة لإضفاء الشرعية على سلطة تقدم نفسها على أنها منبثقة مباشرة من الشعب، في حين أنها تفرض ضوابط صارمة على آليات التعبير عن هذه الإرادة. وبدلاً من معالجة التفاوتات الجهوية، يهدّد هذا التخطيط التصاعدي المؤطّر بإعادة إنتاج منطق الهيمنة بين المركز والأطراف بأشكال متجددة، رغم ادعائه القطيعة معها.

III: حصيلة سلطة 25 جويلية في مجال التنمية الجهوية: بين التنصل من المسؤولية والبحث عن المشروعية

ينبغي قراءة الحصيلة الاقتصادية للتنمية الجهوية في عهد قيس سعيد من خلال تفكيك المنهجية المعتمدة المتمثلة في “التخطيط التصاعدي”. على الرغم من الإعلانات عن مخطط تنموي “ينبثق من القاعدة” والإنتاج الضخم للمشاريع المحلية، تكشف المؤشرات الاقتصادية عن نتائج متباينة مما يعكس حدود نموذج تقوم فيه المشاركة على التأطير، بينما تظل سلطة القرار النهائي مركزية.

جرى الترويج لمُخطّط التنمية 2026-2030 على أنه لحظة فارقة في مسار المشاركة المحلية، بأكثر من 35000 مشروع مقترح من قبل المجالس المحلية، حوالي 90 ٪ منها على نطاق محلي بحت. يتم توظيف هذا التضخم في المشاريع بانتظام كدليل على الطابع الشامل لهذا المسار وقطيعته مع السياسات السابقة. بيد أنّه يكشف، خصوصا من وجهة نظر اقتصادية، عن تجزئة شديدة للجهود الاستثمارية.

كما لا تزال الموارد المالية المتاحة مُقيّدة بسبب وضعية الاقتصاد الكلي في البلاد، وارتفاع الديون[38]، وانخفاض الهوامش التصرف في الميزانية. في هذا السياق، تتعلق غالبية المشاريع المقترحة بالبنية التحتية أو التهيئة المحلية أو المبادرات الفلاحية ذات الإمكانات الاقتصادية المنخفضة. من ناحية أخرى، لا تزال هيكلة الاستثمارات: المناطق الصناعية المُدمجة، والبنية التحتية اللوجستية الجهوية، والسياسات الصناعية التي تستهدف المناطق الداخلية، هامشية، على وجه التحديد لأنها تحتكم إلى توازنات مالية محكومة بالتحكم في النفقات وتنسيق وطني يحتفظ المركز بالسيطرة الحصرية عليه.

وبالتالي، فإن المنهجية التصعيدية تُوجّه الفاعلين المحليين نحو المشاريع “القابلة للتنفيذ”، تتماشى مع الضوابط المركزية، على حساب الاستراتيجيات الجهوية الطموحة. تخفي الوفرة الكمية عجزًا نوعيًا، فرغم الكثرة العددية للمشاريع تبقى قدرتها على التأثير الإقتصادي المستدام ضعيفة.

على الرغم من الاستحضار الخطابي المتكرر لمرجعية “الدولة الاجتماعية” من قبل رئيس الدولة، فإن تحليل البيانات الاقتصادية الفعلية يكشف عن وجود تناقض صارخ بين الخطاب السياسي وتوجهات الميزانية المنفذة. عمليا، لا تزال السياسات العامة مبنية إلى حد كبير على منطق التقشف والتداين، على الرغم من الرفض الرسمي لإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي والوعد بالقطع مع النماذج الاقتصادية السابقة. وفي هذا الصدد، يتجاوز عجز الميزانية المتوقع لعام 2026 11 مليار دينار، وهو مستوى يستوجب اللجوء لقروض جديدة، لا سيما من البنك المركزي، لتغطيته.

هذا ويؤكد تحليل قانون المالية لعام 2026 غياب مثل هذه القطيعة الهيكلية. يخلو النص على أي تدابير اجتماعية استثنائية أو سياسات إعادة توزيع جهوية ترتقي إلى مستوى الطموحات التي يعلنها الخطاب الرسمي. وبصرف النظر عن بعض التدابير المُوجّهة كتسوية وضعية بعض الفئات في الوظيفة العمومية وفتح خطوط تمويل قطاعية، فإن ما يميز قانون المالية مراكمته لإجراءات متفرقة تفتقر إلى التناسق ضمن رؤية اقتصادية أو استراتيجية متكاملة.

أما فيما يتعلق بالتنمية الجهوية، ينصُّ القانون على إنشاء خط تمويل بقيمة 15 مليون دينار لمنح قروض بشروط مُيسرة، تُعدّل وفق مؤشرات التنمية الجهوية، من أجل دعم الشركات الموجودة في المناطق التي سجّلت معدلات نمو منخفضة. بيد أن هذا النوع من النظام، الذي تم اعتماده بشكل متواصل منذ قرابة العقدين، أثبت عجزه عن الحد من التفاوتات الجهوية أو دفع عجلة التنمية المحلية في المناطق الداخلية. في ظل غياب استثمارات في البنية التحتية والخدمات العامة الأساسية والاقتصاد المحلي، فإن مواصلة العمل بفلسفة التدخل ذاتها غير كافية للاستجابة للإكراهات الهيكلية التي تعيق التنمية الجهوية.

كما ينص قانون المالية على إنشاء عدة خطوط تمويل قطاعية: خط لصالح المؤسسات الصغرى والمتوسطة، مصحوبًا بدعم حكومي للفرق بين سعر الفائدة المطبق على القروض الاستثمارية ومتوسط سعر السوق النقدية، خط بقيمة 23 مليون دينار مخصص لباعثي المؤسسات الصُغرى، بالإضافة إلى 10 ملايين دينار لصالح صغار الفلاحين. وفي المقابل، تحظى الشركات الأهلية، التي تتبوأ صدارة الأولويات في السياسات الحالية، بالنصيب الأكبر من المخصصات، بمبلغ يصل إلى 35 مليون دينار.

أخيرًا، لا يظهر تحليل توزيع نفقات الاستثمار العمومي أي تحول جوهري من شأنه أن يعكس إرادة لإعادة التوازن جهويا، حيث لا تزال خيارات الاستثمار تتسم بالتفاوت بين القطاعين العام والخاص حسب الجهة، فضلاً عن غياب الوضوح فيما يتعلق بالأولويات المتعلقة بمختلف مهام الدولة على المستوى الترابي. وهو ما يؤكده مؤشر التنمية الجهوية (IDR) لعام 2024، والذي يكشف الاختلافات الجوهرية بين المناطق الساحلية والداخلية. على مقياس من 0 إلى 1، تتراوح النتائج الجهوية بين 0.565 و 0.365، في حين يبلغ المتوسط الوطني حوالي 0.461، دون تسجيل أي تحسن ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة. لا تزال الولايات الساحلية، مثل تونس (0.56) والمنستير (0.53)، تظهر مستويات أعلى بكثير في مؤشر التنمية مقارنة بالمناطق الداخلية مثل القصرين (0.37) والقيروان (0.36).  يؤكد هذا الوضع استمرار التفاوتات الجهوية ويبين محدودية الأثر الفعلي لتضاعف عدد المشاريع المحلية على تقليص الفوارق الهيكلية.

ومن ناحية أخرى، تجد حالة التشتت التي يعاني منها الاستثمار صداها المباشر في مؤشرات البطالة ونسب الفقر. فلا يزال معدل البطالة الوطني مرتفعًا بنحو 15 ٪ في عام 2025 في ظل استمرار التفاوتات الجهوية، إذ تخطّت نسبة بطالة الشباب 35 ٪ في العديد من المناطق الداخلية، [39] مع هيمنة القطاع غير المنظم على سوق الشغل. لم تنتج الشركات الأهلية والمشاريع المحلية التي تم الترويج لها كرافعات لخلق فرص العمل، سوى تأثير هامشي شبه منعدم.

وللتذكير، تتركز غالبية مواطن الشغل التي تحدثها هذه الشركات في الأنشطة ذات القيمة المضافة المنخفضة، المرتبطة بالخدمات المحلية أو المشاريع الفلاحية والحرفية الصغيرة. ولا تسمح هذه المبادرات باستيعاب مستدام للبطالة الهيكلية، ولا تتيح الارتقاء بمستوى الإنتاج في المناطق المهمشة. وبالمثل، لا تزال مؤشرات الفقر متعددة الأبعاد مرتفعة في نفس المناطق التي انطلقت منها الثورة[40]، مما يؤكد غياب قطيعة اقتصادية حقيقية مع الخيارات السابقة.

في هذا السياق، يساهم البناء القاعدي، على نحو مفارق، في التنصل من مسؤولية الفشل حيث يمكن أن يُعزى استمرار البطالة والفقر إلى نقص أو عدم تناسب المشاريع المحلية، بدلاً من تحميل المسؤولية إلى خيارات الاقتصاد الكلي والميزانية التي يُقرها المركز.

وفيما يتعلق بالخدمات العمومية، فإن الوضع لا يخلو بدوره من التباس. لا تزال المناطق الداخلية تعاني من عجز هيكلي فيما يتعلق بالولوج إلى خدمات الرعاية الصحية والتعليم والنقل والبنية التحتية الأساسية. وإذا كانت بعض المشاريع المحلية تسمح بإجراء تحسينات ظرفية، فإنها لا تمس جوهر التفاوتات التاريخية في توزيع الاستثمارات العمومية[41]. لا تزال الخدمات العمومية تعتمد على القرارات المركزية، في حين أن المجالس المحلية لا تتمتع بالاستقلال المالي كما أنها تفتقر للصلاحيات التنفيذية الضرورية للتأثير على هذه المسارات.

يبدو أن هذه المحصلة الاقتصادية المحدودة تندرج في مسار “تبرئة” أوسع للدولة المركزية. من خلال مشهدية المشاركة الواسعة للقواعد وإسناد مهمة اقتراح المشاريع للمجالس المحلية، تضع السلطة التنفيذية نفسها في موقع المُيّسر والمنسق، لا في موقع المسؤول المباشر عن النتائج الاقتصادية.

وبالتالي، فإن التخطيط التصاعدي للتنمية يجعل من الممكن تحويل أوجه القصور في التنمية الجهوية إلى إشكال يتعلق بالقدرة المحلية، بدلاً من اعتبارها خيارا سياسيا مركزيا. وفي الوقت نفسه، فإن مركزة القرار النهائي والموارد المالية تضمن سيطرة المركز على عمليات التحكيم الاستراتيجية، دون أن يكون للجهات إمكانية للمساءلة.

في نهاية المطاف، يكشف تقييم حصيلة التنمية الجهوية في عهد قيس سعيد عن مفارقة اقتصادية جوهرية، فبقدر ما تبدو المشاركة مرتفعة من الناحية العددية، يظّل التحول الهيكلي من أجل التنمية الجهوية محدودًا. لا تزال التفاوتات الجهوية والفقر والبطالة قائمة، كما لم تشهد المرافق العمومية تحسينات جوهرية، وبقيت مجزأة وغير متاحة للعموم بشكل متكافئ.

تحول منهجية التخطيط التصاعدي، وتفريغ المشاركة من محتواها السياسي، ومركزية السلطة التخطيط إلى أداة لإضفاء الشرعية السياسية، بدلاً من أن يكون محركا للحد من التفاوتات الجهوية. بدلاً من كسر ثنائية ‘المركز والهامش”، يكرّس مشروع سعيّد هذا المنطق برؤية محدثة، ففي حين يُلقى بعبء المسؤولية الاقتصادية على كاهل القاعدة، يبقى زمام القرار محصوراً، في أعلى هرم السلطة.

الخاتمة

رغم تقديمه كمشروع لإعادة تأسيس جذري للتنمية يقوم على سيادة الشعب والقطيعة مع السياسات “المسقطة من فوق” يمثّل مشروع قيس سعيد،في الواقع، شكلا متجددا من المركزة السياسية وإفراغ الاقتصاد من مضمونه السياسي.

تستند شعبوية الرئيس سعيد إلى قراءة أخلاقوية للأزمة التي تعرفها البلاد، تختزل التفاوتات الترابية وضعف التنمية الجهوية في اختلالات التمثيل والفساد واستلاب التعبير الشعبي. بيد أن هذه القراءة تُغيّب المحددات الهيكلية للتنمية، من قبيل الخيارات الماكرو-اقتصادية، والسياسات الصناعية، والتحكيم على مستوى الميزانية، وغيرها، لتقوم باستبدالها بحل إجرائي يتمثل في المشاركة التصاعدية. بناء على ذلك، وكما تُبيّن ذلك الحصيلة الاقتصادية، فإن المشاركة، عند تأطيرها وتقنينها أو حرمانها من سلطة صنع القرار الحقيقية، لا تشكل رافعة للتحول، بل أداة لإضفاء الشرعية.

وبالتالي، فإن التخطيط التصاعدي يُحدث حركة مزدوجة. فمن جهة، تعمل هذه المنهجية على نقل الصراع السياسي إلى خارج الفضاء المركزي، إذ لم تعد الخيارات التنموية موضوعاً للنقاش العام حول الأولويات الاقتصادية، بل أصبحت مجرد تجميع تقني لمشاريع محلية مشتتة. وتُبرئ من جهة أخرى ذمة الدولة عبر تحميل مسؤولية الفشل أو قصور السياسات الجهوية إلى القاعدة، المُطالبةِ منذ الآن ‘بإنتاج’ تنميتها الخاصة، دون أن تمتلك الموارد اللازمة، ولا الاستقلال المالي، ولا هوامش الفعل اللازمة. وتتبنى منهجية إعداد مخطط التنمية تشريكا للمجالس المحلية المشكّلة محمولا من طرف المركز، بينما تستأثر السلطة التنفيذية بالقرار النهائي. وبهذا، يتم تفريغ المشاركة من أبعادها السياسية والتداولية لفائدة مشاركة إجرائية شكلية.

تندرج هذه العملية ضمن مقاربة شعبوية، حيث تقدم الدولة نفسها على أنها الانبثاق المباشر للشعب، وتعمل في الآن ذاته على تحييد الوساطات السياسية والاجتماعية والترابية. يساهم قمع الأجسام الوسيطة وإضعاف الأحزاب وتهميش المجتمع المدني المُنظَّم في هذا التحييد السياسي الاستبدادي، حيث يستحضر المواطن كمنتج للمشاريع، ولكن يتم استبعاده من مساحات التداول واتخاذ القرار.

وهكذا، تُؤكد الحصيلة الاقتصادية للتنمية الجهوية في عهد قيس سعيّد وجود تناقض جوهري، فبقدر ما يتم التذرع بالسيادة الشعبية، تزداد مركزية السلطة، وبقدر ما يتم التباهي بالمشاركة، يتضاءل الاستقلال الفعلي للجهات. لا تزال التفاوتات الجهوية والفقر والبطالة قائمة، ليس بسبب غياب المشاركة، ولكن بسبب الافتقار إلى سياسات اقتصادية واضحة ومبنية سياسيا.

في النهاية، بدلاً من تصحيح الاختلالات التاريخية بين المركز والأطراف، يميل مشروع سعيد إلى إعادة انتاجها، حيث تصبح “التنمية” أداة للحكم والمشاركة خطابا لإضفاء الشرعية. يطرح هذا الوضع تساؤلات حول حدود الشعبوية التي، من خلال الادعاء بإعادة السلطة إلى الشعب، تعطل الشروط السياسية ذاتها اللازمة لتحقيق تنمية جهوية حقيقية ولإدماج اجتماعي واقتصادي.


[1] رئاسة الحكومة تقدّم مشروع مخطط التنمية 2026-2030 محور مجلس وزاري بإشراف رئيسة الحكومة، بلاغ منشور بتاريخ 12 ديسمبر 2025، بوابة رئاسة الحكومة، تاريخ الاطلاع[15 ديسمبر 2024]

 https://pm.gov.tn/en/node/2924.

[2] المصدر نفسه.

[3] الصغير، الصالحي، الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتكاففئة 2017.

[4] حمادي التيزاوي. “من أجل براديغم جديد للتنمية الجهوية في تونس”، الفصل 9،  إشراف ماهر قصاب، الاقتصاد التونسي 2024: أي مستقبِل للصمود الاقتصادي؟ تونس، GI4T – نيرفانا، 2024.

[5] المصدر نفسه

[6] المصدر نفسه.

[7] المصدر نفسه.

[8] الجمهورية التونسية، وزارة التنمية الجهوية. “تونس: رؤية جديدة للتنمية الجهوية”. تونس: وزارة التنمية الجهوية، 2011.

[9] حصيلة تجربة اللامركزية في تونس: مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي، تونس، منظمة البوصلة، 2024، 137 ص.

[10] المصدر نفسه.

[11] المصدر نفسه.

[12] صحبي خلفاوي. “موجز في الشعبوية”. في: سلطة الفرد الواحد: مؤلف جماعي بإشراف حمادي الرديسي. تونس: ديوان للنشر، 2023، ص. 17-33.

[13] قوبي، إيريك. “شعبوية قيس سعيد كبلورة لأزمة النظام البرلماني التونسي”، 2022، منصة (HAL) المفتوحة، المُعرف : halshs 03613984

[14] المصدر نفسه.

[15] كلمة مستعارة من ديباجة دستور 2022. دستور الجمهورية التونسية الصادر في 26 من شهر ذي الحجة الحرام 1443 الموافق لـ 25 جويلية 2022. ” إنّنا، ونحن نقرّ هذا الدّستور الجديد، مؤمنون بأنّ الدّيمقراطيّة الحقيقيّة لن تنجح إلاّ إذا كانت الدّيمقراطيّة السّياسيّة مشــفوعة بديمقراطيّة اقتصادية واجتماعيّة، وذلك بتمكين المواطن من حقّه في الاختيار الحرّ، ومن مساءلة من اختاره، ومن حقّه التّوزيع العادل للثّروات الوطنيّة.”

[16] منظمة البوصلة (2024): حصيلة تجربة اللامركزية في تونس : مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي. ص 137

[17] مرسوم عدد 8 لسنة 2023 مؤرخ في 8 مارس 2023 يتعلق بتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء وإتمامه.

مرسوم عدد 9 لسنة 2023 مؤرخ في 8 مارس 2023 يتعلق بحلّ المجالس البلدية.

مرسوم عدد 10 لسنة 2023 مؤرّخ في 8 مارس 2023 يتعلّق بتنظيم انتخابات المجالس المحلّية وتركيبة المجالس الجهويّة ومجالس الأقاليم.

[18] تتراوح نسبة إقبال الناخبين بين 11 و12% من الناخبين، وفقاً لبيانات من هيئة الانتخابات

[19] البيرتزي، دانييلي ؛ ماكدونيل، دنكان. الشعبويون في السلطة، لندن، روتليدج، 2015، 218 ص. المعرف: 10.4324/9781315725789.

[20] مھدي العش ؛ محمد صحبي الخلفاوي، سامي بن غازي. «الرئیس یرید:تناقضات نظام البناء القاعدي ومخاطره». المفكرة القانونیة ـ ورقة بحثیة، عدد ،117 .2022

[21] جوب، إريك. شعبوية قيس سعيد كبلورة لأزمة النظام البرلماني التونسي، 2022، HAL، المعرف: halshs -03613984.

[22] البوصلة (أكتوبر 2023) تقسيم الأقاليم: اختزال انتخابي ضيق لتحديات تنموية عميقة  

[23] البوصلة، قراءة في القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم: نص هزيل لمجالس صوريّة، تونس، 23 أفريل 2025.

[24] المصدر نفسه.

[25] ياسين النابلي، مهدي العش، مرسوم الشركات الأهليّة التاريخ: مشروع للعدالة أم الهيمنة؟، المفكرة القانونية، 12 أفريل ديسمبر 2022.

[26] المصدر نفسه.

[27] المصدر نفسه.

[28] بن عيسى لطفي، “الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والشركات الأهلية، أيّ مصائر؟”، ضمن مؤلف جماعي بإشراف حمادي الرديسي، سلطة الفرد الواحد، تونس، المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي، 2023، ص. 271.

[29] الفصلان 64 و 65 من المرسوم عدد 15 لسنة 2022 مؤرخ في 20 مارس 2022 يتعلق بالشركات الأهلية

[30] خليل العربي، الشركات الأهليةأداة لصناعة الأوهام في الاقتصاد والسياسة “””، المفكرة القانونية، 6 جوان 2023.

[31] سمية المعمري، الشركات الأهليةموارد الدولة وامتيازاتها في خِدمة مشروع غامض”:”، المفكرة القانونية، 11 نوفمبر 2024 .

[32] أسماء سلايمية، ” مرسوم الصلح الجزائي مصالحة الفاسدين أمر واقع :”المفكرة القانونية, ,13 أفريل 2022

[33] الجمهورية التونسية،وزارة الاقتصاد والتخطيط، “دليل إعداد تقارير السياسات العمومية الخاصة بمخطط التنمية2030-2026″، ماي 2025.

[34] الجمهورية التونسية، وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، “خلاصة خطة التنمية 2016 – 2020″، 23 مايو 2016.

[35] رئاسة الحكومة التونسية، “متابعة إعداد مخطط التنمية2026 – 2030محور مجلس وزاري”، صفحات النات، 9 جويلية 2025، قصر الحكومة بالقصبة.

[36] رئاسة الحكومة التونسية، “متابعة إعداد مخطط التنمية2026 – 2030محور مجلس وزاري”، صفحات النات، 9 جويلية 2025، قصر الحكومة بالقصبة.

[37] رئاسة الحكومة التونسية، “منشور عدد10 لسنة 2025 حول إعداد مخطط التنمية 2026 – 2030″، 2025.

[38] ويبدو، “تونس: الدين العام يتجاوز 135 مليار دينار”، 12 يونيو 2025.

https://webdo.tn/en/actualite/national/tunisia-public-debt-crosses-135-billion-dinars/384150/?utm_source=chatgpt.com.

[39] https://www.ins.tn/statistiques/153.

[40] INS، البنك الدولي، تونسية “خريطة الفقر في”، سبتمبر 2020. https://ins.tn/sites/default/files/publication/pdf/Map%20de%20la%20pauvret%C3%A9%20en%20Tunisia_final_0.pdf.

[41] البوصلة، المجالس المحلية وسراب التنمية “”، 6 سبتمبر 2024.