المنشورات – Al Bawsala https://www.albawsala.com Wed, 10 Jun 2026 10:19:21 +0000 ar hourly 1 البناء القاعدي والتنمية الجهوية: حصيلة هزيلة لمسار مشوه https://www.albawsala.com/ar/publications/20267314 https://www.albawsala.com/ar/publications/20267314#respond Wed, 10 Jun 2026 09:15:41 +0000 https://www.albawsala.com/?p=7314 مقدمة

في 2 ديسمبر 2025، ترأست رئيسة الحكومة، سارة زعفراني زنزري، في قصر الحكومة بالقصبة، مجلسًا وزاريًا خُصّص لتدارس مشروع المخطط التنموي 2026-2030 .[1] ويُقدم هذا المخطط الجديد على أنّه التجسيد العملي لشعار “البناء والتشييد”، الذي اُعتُمد كشعار للعهدة الحالية لقيس سعيد، وترجمة للتوجهات الاقتصادية والسياسات التنموية للسنوات المقبلة.

يستند التمشي المعتمد في تطوير هذا المخطط إلى منطق مزدوج، إذ يقوم، من ناحية أولى، على مقاربة تصاعدية تُوصَف بـ«التشاركية»، يُفترض أن تشكّل العمود الفقري للمخطط من خلال صياغة مشاريع تنطلق من المستوى المحلي، ثم تُجمّع وتُؤلّف تدريجياً على المستويات الجهوية والإقليمية، وصولاً إلى المستوى الوطني. وتتّبع من ناحية أُخرى منطق مواءمة بين المجالات المؤسسية والقانونية والاقتصادية والسياسية، وفقًا للمشروع الذي يحمله رئيس الجمهورية، بناءً على فكرة “البناء القاعدي”. وفي هذا الصدد، ينُصُّ بلاغ رئاسة الحكومة صراحة على أن مخطط التنمية 2026-2030 ” لا يُمثّل وثيقة اقتصادية فحسب، بل يُعدّ محطّة وطنية فارقة ترسم ملامح المرحلة المقبلة وتؤسّس لخيارات وتوجّهات سياسية وفقا لتوجيهات سيادة رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد”[2].

ومن بين الأهداف الرئيسية المُخصّصة لهذا المُخطّط يبرز الحدّ من التفاوتات الجهوية والمحلية. يمثل هذا الهدف، الذي يتواتر ذكره في السياسات العموميّة التونسية منذ عقود، محلّ إجماع واسع بين النخب السياسية والأكاديمية والاجتماعية. في الواقع، تحتل قضية التنمية الجهوية مكانة مركزية في الأجندا السياسية التونسية، نظرًا للأهمية الرمزية والسياسية الكبيرة التي تكتسيها، فهي لا تحيل فقط إلى اعتراف السلطات العموميّة بالمسؤولية التاريخية في مواجهة التفاوتات الجغرافية المتواصلة، بل تمثل كذلك تحديًا اقتصاديًا كبيرًا، فيما يتعلق باستغلال الموارد الجهوية والحد من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والترابية، لا سيما من حيث معدّلات البطالة ومستوى المعيشة وجودة الخدمات العموميّة. وتم إكساء هذه المسألة يعد ذلك، بُعدا أخلاقويا، حيث بات استمرار هذه التفاوتات يوظّف كدليل إدانة ضدّ نخبة سياسية متهمة بالفساد وبالاستفادة من هذه التفاوتات.

في الواقع، انصهر خطاب سعيّد منذ 25 جويلية 2021 ضمن سردية شعبوية تضع “الشعب” المُهمّش والمُفقر والمضطهد في مواجهة المركز والنخب السياسية والاقتصادية التي تقدم بوصفها فاسدة ومسؤولة عن الظلم من خلال آليات المحسوبية والريع والاستيلاء على الثروات. ومن هذا المنطلق، يغدو تحرير الشعب رهينا بتوفير أدوات قانونية ومؤسسية جديدة تُمكّنه من استرداد سيادته وقدرته على الفعل، وأن يصبح الحامل والمستفيد الرئيسي من المشاريع التنمويّة.

يندرج مخطط التنمية الجديد 2026-2030 في هذا الإطار تحديدا، غير ـأن تحليل مسار صياغة هذا المٌخطط يبيّن وجود جملة من التجاذبات والمفارقات. نلاحظ في كل مرحلة من المراحل نوعا من الانحراف عن الخطاب التشاركي المعلن. فباسم ما يُعرف بالديمقراطية المباشرة غير الحزبية والموجّهة نحو التنمية، يجري تعزيز سلطة مركزية ذات نزعة سلطوية. وهي الفرضية التي تهدف هذه الورقة إلى تبيانها بالتحليل.

وقبل التركيز على هذه الديناميكيات المعاصرة، يستوجب الأمر عودة تاريخية وسياسية إلى قضية التنمية الجهوية في تونس، والتي ستمكّننا من فهم أفضل للمسارات السابقة، ورسم ملامح الآفاق المستقبلية، فضلا عن تقديم قراءة نقدية للرهانات السياسية والاقتصادية للتنمية الجهوية، لا سيما ما تعلّق منها بتوظيفها السياسي، ووظائفها المتمثلة في إضفاء الشرعية على السلطة وارتباطها بالمسألة الديمقراطية.

التنمية الجهوية والإرث الاستبدادي والمركزي

لقد تبلورت مسألة التنمية الجهوية منذ الاستقلال) 1956) وصولا إلى الثورة(2011)ضمن دولة سلطوية اتّسمت بمركزيتها المفرطة وباعتمادها على التخطيط، وظلّ الحد من التفاوتات الجهوية أحد أهدافها المعلنة دون أن ينعكس ذلك على تخصيص الموارد و توزيعها قطاعيا و جهويا. ورغم التقدم المُحرَز في بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، فقد ظلّت التنمية متفاوتةً ترابيا، فنتج عن ذلك إعادة انتاج الاختلالات بين الجهات، بل وتعميقها. نصّت المخططات التنموية، خاصة منذ التسعينيات، على انتقاء مناطق ذات أولوية، مما رجّح كفّة المناطق الساحلية الشرقية على حساب الوسط والمناطق الداخلية[3]. وقد تجلت هذه الاختلالات بحدة خاصة في ميدان التصنيع، مما ساهم في إحداث شرخ مجالي مستدام يضع المناطق المندمجة في الديناميكيات الصناعية والخدماتية في مواجهة مناطق أخرى جرى تهميشها وانحصرت أنشطتها في أنماط إنتاج ريفية وفلاحية ذات قيمة مضافة ضعيفة[4]. وهكذا، استعمل التخطيط التنموي في نفس الوقت كأداة للتحديث الاقتصادي وكآلية للسيطرة السياسية على المجال.

اتّسمت هذه الفترة بإنشاء هياكل متخصصة في التنمية الجهوية، مثل المندوبية العامة للتنمية الجهوية (CGDR) ودواوين تنمية الجنوب والوسط الغربي والشمال الغربي، ساهمت في تعميق المعرفة بالجهات من خلال تنفيذ مخططات التنمية الجهوية وأمثلة التهيئة الترابية وخرائط الأولويات الجهوية، ممّا مكّن من تصنيف المعتمديات وفقًا لدرجة تهميشها وتحديد المناطق المؤهلة للانتفاع بمنح التنمية الجهوية. كما تم استكمال هذه المخططات ببرامج تستهدف المناطق الريفية والداخلية، بالإضافة إلى الدراسات القطاعية التي وُضعت على ذمة المستثمرين[5].

بيد أن هذا التقدم ظلّ في جوهره ثمرة مجهود تشخيص وخبرة تكنوقراطية، دون أن يجد له ترجمة سياسية على مستوى الاستقلالية الجهوية. إذ اشتغلت هياكل التنمية الجهوية كأدوات دعم تقني للوزارات المركزية، مفتقرة إلى سلطة صنع قرار حقيقية[6]، ناهيك عن انعدام المشاركة الحقيقية للجهات (المواطنون والمجتمع المدني والأجسام الوسيطة…) في عمليات صنع القرار. لقد ظلّ التخطيط خاضعاً لمنطق قطاعي، تُضبط ميزانتياته مركزيا، دون رصد اعتمادات جهوية مسبقة. وبذلك تحولت العملية التنموية منذ الثمانينيات إلى مجرد تغطية جهوية بَعدية لمشاريع وزارية جاهزة، مما كرّس تبعية الجهات للأولويات القطاعية المركزية.[7]

لم تنجح محاولات أقلمة المُخططات، لا سيما من خلال آلية «التوفيق” بين المقترحات القطاعية والجهوية، في تغيير هذه الديناميكية المركزية، خاصة وأنها كانت مدعومة بهيمنة الحزب الحاكم، التجمع الدستوري الديمقراطي، على كافة مفاصل الإدارات المركزية والجهوية. علاوة على ذلك، أدى تدخل الدولة المحدود على مستوى البنى التحتية والخدمات العمومية في المناطق الداخلية إلى تثبيط الاستثمار الخاص وساهم في إعادة افراز عدم المساواة جغرافيا.

وهكذا، كانت التنمية الجهوية بين عامي 1956 و 2011 جزءًا من مقاربة تسلطية للاختلالات الجهوية، يُنظر لها كمشكلة اجتماعية يجب احتواؤها بدلاً من اعتبارها قضية سياسية تتعلق بإعادة توزيع السلطة. يمثّل إرث المركزية المُفرطة أحد الأسس الهيكلية للمطالب التي أدت إلى ثورة 2011 ومازال يؤثر على المسارات المعاصرة للتنمية الجهوية في تونس.

الانتقال الديمقراطي واللامركزية: مسار طموح ولكنه هش

مثّلت ثورة ديسمبر 2010 جانفي 2011 قطيعة سياسية كبرى وضعت قضية التنمية الجهوية في قلب النقاش العام، إذ انطلقت التحركات التي أدت إلى سقوط نظام بن علي من المناطق الداخلية المهمّشة. بذلك، لم تعد التنمية غير المتكافئة والتفاوتات الجهوية مجرد قضية اجتماعية واقتصادية رئيسية، بل تحوّلت إلى مظلمة سياسية أساسية. ومنذ ذلك الحين، برزت التنمية الجهوية كأحد أسس التحول الديمقراطي وكشرط لشرعيته الاجتماعية.

وتجسد هذا التحول في الإقرار الصريح بالبعد الجغرافي للتفاوتات على الصعيدين السياسي والمؤسسي. لقد كرّس صدور “الكتاب الأبيض” عام 2011، والمخصّص للاختلالات الجهوية، اعترافاً رسمياً بمسؤولية السلطات العمومية في «تصحيح التفاوتات بين الجهات عبر تحفيز ديناميكية تقاربية بين الجهات”.[8] كما كرّس دستور عام 2014 اللامركزية كمبدئ أساسي ارتكز عليه التنظيم الترابي للدولة، مانحا الجماعات المحلية دورا محوريا في المسار التنموي والسياسي. يمثل انتخاب المجالس البلدية في عام 2018، وكذلك صدور مجلة الجماعات المحلية في نفس العام، محطّة هامة في تفعيل هذا المسار، من خلال اعتماد تمثيلية محلية منتخبة، ومبدأ التدبير الحر، وكذلك مبدأ التمييز الإيجابي وفتح مساحات للمداولات الجهوية[9]. تسمح هذه الآليات بإعادة هيكلة التنمية الجهوية لا فقط بصفتها سياسة تعويضية يقودها المركز، ولكن كمسار منخرط في المجال الترابي ويستند إلى رؤية تشاركية وشاملة.

إلا أن تفعيل هذا المسار عرف سياقا معطّلا، إذ ظلت عملية نقل الصلاحيات والموارد المالية إلى السلطات المحلية غير مكتملة بسبب مقاومة الإدارة المركزية والقوى السياسية التي وصلت إلى السلطة بعد انتخابات عام 2014، في حين ظلت عمليات التخطيط والبرمجة إلى حد كبير رهينة الوزارات المركزية والمنطق القطاعي الموروث. ولا تعكس مواطن القصور هذه تشكيكا في مبدأ اللامركزية بحد ذاته، بقدر ما تعكس مجموعة من العوامل الهيكلية كعدم الاستقرار السياسي، وضعف الموارد الإدارية المحلية، والقيود المفروضة على الميزانية، والأزمات الاقتصادية، وتداعيات جائحة كوفيد-19، والمقاومة البيروقراطية داخل الدولة المركزية[10].

من هذا المنظور، لا يمكن تفسير النتائج المتباينة لفترة ما بعد عام 2011 على أنها مؤشر على إخفاق ذاتي في صلب مشروع اللامركزية. بل تشير إلى مسار مؤسسي غير مكتمل، لا يزال في مرحلة التمرُّس، ولا يمكن أن تكون آثارها على التنمية الجهوية فورية أو منتظمة[11]. وتكمن هشاشة هذا المسار على وجه التحديد في التناقض بين الطموح المعياري للإطار الدستوري والقانوني وبطء وتيرة تنفيذه الفعلية.

وقد غذى هذا الانفصال بين الوعد السياسي والواقع المؤسسي تدريجياً خيبة أمل اجتماعية وجهوية، مما مهّد الطريق لمُساءلة أكثر جذرية للتجربة الديمقراطية وصعود خطابات تطعن في اللامركزية والتعددية السياسية باسم النجاعة والعدالة الاجتماعية، والتي تجسدت في أعقاب انقلاب 25 جويلية 2021.

تشكّلت على هذ القاعدة منذ ذلك الحين المرحلة التي أطلقها الانقلاب الدستوري، والتي تعد بإعادة تصميم التنمية الجهوية عبر خطاب يقدم نفسه على أنه تصاعدي وتشاركي، في حين يعمل في الوقت ذاته على إعادة تركيز السلطة السياسية والمؤسساتية. إن تحليل هذه المرحلة، يمكّن من فهم كيفية توظيف التنمية الجهوية اليوم كخزان خطابي وأداة سياسية ورافعة لإضفاء الشرعية على السلطة التنفيذية، بالتوازي مع التساؤل عن تداعياتها الحقيقية ترابيا وعلى معيشة السكّان.

I. التنمية الجهوية كخزان خطابي لقيس سعيد

منذ 25 جويلية 2021، بنى قيس سعيد استراتيجيته السياسية حول محورين رئيسيين: إضفاء الشرعية على سلطته من طرف “الشعب” والتركيز على خطاب يدور حول التفاوتات، خاصة على المستوى الجهوي. ترتبط هذه المحاور ارتباطًا وثيقًا بخطابه الشعبوي، الذي يقابل بين الـ “نحن” الفاضلون بـ”هم” الفاسدون، وبمعاداة المؤسساتية التي تشرّع الطعن في هياكل الانتقال الديمقراطي ما بعد الثورة[12].

إن مفهوم الشعب الذي يستنهضه سعيد لا يتطابق مع التعريف الكلاسيكي للمواطن بالمعنى القانوني للكلمة. إنه يُصنّفُ اجتماعيا، أولاً وقبل كل شيء، على أنه “عامّة”، تنحدر من فئات مهمشة، تاريخياً مقصية من السلطة السياسية، وتطمح إلى أن تصبح “شعبًا”، (populus) أي مجتمعًا قادرًا على المشاركة مباشرة في المداولات السياسية[13]. يضع هذا المفهوم “المحرومين” و “الوطنيين المخلصين” في مواجهة النخبة السياسية التي صُنّفت على أنّها فاسدة. يتخذ الاستقطاب الذي يكرسه هذا التصور أبعاداً أخلاقية ورمزية، إذ يُصنَّفُ خصوم الشعب في خانة «الخونة» و«اللصوص» و«المجرمين». هذا الشعب هو أيضا جماعة هوياتية (ethnos):، فهو يقوم على القيم المجتمعية الإسلامية و العربية والدفاع عن قضايا “الأمة”[14]. يتم استبعاد أي جماعة يُنظر إليها على أنها “فاسدة لارتباطاتها الخارجية”، مثل منظمات المجتمع المدني أو شخصيات المعارضة السياسية أو تلك العاملة في الحقل الإعلامي وفقًا للرئيس، من هذا الشعب. تتقاطع هذه الرؤية مع سردية ثورية تتمحور حول «الانفجار» الذي شهدته ولايات سيدي بوزيد وقفصة والقصرين في ديسمبر 2010، وهي مناطق ترمز للجهات المهمشة. بموجب ذلك، أُعيد الاعتبار ل 17 ديسمبر كتاريخ رسمي للثورة، في خطوة رمزية لربط الصلة مع الشعب “الأصلي” الذي اُستبعد حسب هذه الرواية من انتقال 2011 الذي يرمز إليه تاريخ 14جانفي.

في الوقت نفسه، تحتل التنمية الجهوية مكانة مركزية في مشروع قيس سعيد السياسي، لا فقط بصفتها قضية اقتصادية، ولكن، خصوصا، بصفتها أداة رمزية وخطابية. يتم استحضار التفاوتات الجهوية باستمرار، لا فقط لوصف التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، ولكن، أساسا، لخدمة سردية أخلاقية وسياسية مفادها أنه تم “التخلي” عن بعض المناطق تاريخياً من قبل دولة مركزية لفائدة نخب متهمة بالزبائنية. في هذه السردية، لا تعتبر أوجه عدم المساواة هذه مجرد اختلالات يجب التعامل معها سياسيًا، بل أدلة ملموسة على فشل الأنظمة السابقة، وتُستخدم لتبرير حصر السلطات بين يدي السلطة التنفيذية.

تندرج رمزية التفاوتات الجهوية منذ الثورة ضمن معجم أوسع: فهي تسمح بتقديم إصلاح التنمية الجهوية على أنه تجسيد لـ “الديمقراطية الحقيقية”[15]، على النقيض من الديمقراطية المغشوشة لحكومات مرحلة الانتقال الديمقراطي. في هذا السياق، تصبح التنمية الجهوية أداة لإضفاء المشروعية حيث تضع السلطة التنفيذية نفسها كضامن للعدالة المجالية والسيادة الشعبية، عبر توظيف آليات قانونية ومؤسسية لتمكين الشعب من تنفيذ المشاريع والإشراف عليها. يحول هذا الخطاب المناطق المهمشة إلى رموز للانعتاق المواطني، حيث يُدعى الشعب إلى أن يكون فاعلا ومستفيدا مباشرا من مشاريع التنمية.

من ناحية أخرى، تندرج هذه الاستراتيجية ضمن تمش سلطويٍّ بواجهة “ديمقراطية”. حيث يقوض الرئيس سعيد كافة هياكل مسار الانتقال الديمقراطي: هياكل اللامركزية، والقوانين السابقة المتعلقة بالسلطة المحلية، والقوانين الانتخابية، وآليات المشاركة السياسية المرتبطة بالأحزاب السياسية.[16]. وعوضا عنها، قام الرئيس، بمقتضى مراسيم، بارساء مؤسسات جديدة[17]، ومجالس محلية وجهوية ومجالس أقاليم، ومجلس وطني للجهات والأقاليم، وشركات أهلية يتم تقديمها كأدوات للديمقراطية المباشرة والمشاركة السياسية وتهدف إلى تقليص الفجوة بين الشعب والدولة. يسمح وهم الديمقراطية المباشرة، في غياب أجسام وسيطة، بإضفاء شرعية على عملية اقصاء الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني، وهي أطراف تُصوَّر بوصفها نخبًا طفيلية كانت “ركبت” على الثورة لخدمة مصالحها.

يضع قيس سعيد بشكل منهجي الشعب في مواجهة النخبة، مذكراً بأن الثورة وُلدت من رحم المناطق المهمشة وأنها، قبل كل شيء، شعبية وليست مؤسسية و/أو حزبية. وهكذا يتم تقديم المؤسسات السياسية التقليدية على أنها منفصلة عن الإرادة الشعبية وغير قادرة على تصحيح المظالم الجهوية. فتصبح التنمية الجهوية بهذا المعنى رافعة رمزية وأخلاقية: تتعلق بإعادة بناء دولة موحدة، منسجمة مع الشعب من خلال المشاركة التصاعدية التي تشرف عليها السلطة التنفيذية.

في هذا الصدد، تزامن خطابه مع تغييرات مؤسسية عميقة: حيث يعبر الدستور الاستفتائي والتفويضي الجديد، وإعادة هندسة المشهد المؤسسي والسياسي، واستبعاد الأجسام الوسيطة، مع نسب المشاركة المنخفضة[18]، على الهشاشة الحقيقية لما سُمّي ديمقراطية “مباشرة”. فتصبح التنمية الجهوية بذلك أداة خطابية وسياسية مركزية، يتم توظيفها لتبرير هذه التحولات الاستبدادية، مع تقديم صورة لدولة تعمل على تصحيح المظالم و”تحرير” الشعب المهمش رمزياً.

علاوة على ذلك، يمكن اعتبار خطاب قيس سعيد، في بعض جوانبه شكلا من أشكال الشعبوية اليسارية[19] ، من حيث اعتماده على خطاب مناهض للنخب ومسائل تتعلق بإعادة توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية. تُصبح المناطق الهامشية مسرحا للوعود التنموية الاقتصادية والاجتماعية وتُقدم على أنّها تتعارض مع الحريات السياسية والمدنية التي حملتها تجربة الانتقال الديمقراطي، والتي باتت موضع تشكيك بدعوى أنها مصدر لعدم الاستقرار، وحتى “مناهضة للشعب”. هذا ويتم الترويج لهذه الوعود كوسيلة للحد من التفاوتات وتصحيح المظالم التاريخية. بيد أن هذا البعد الاجتماعي يقترن بمنطق استبدادي حيث يتم تأطير المشاركة المحلية قانونًيا من خلال هياكل تابعة للسلطة المركزية، مع تعزيز السلطة العمودية للدولة باستبعاد أجسام الوساطة السياسية[20].

II. التنمية الجهوية كأداة سياسية ومؤسسية: الوعود والإنجازات والأوهام

لا يمكن فصل تحليل سياسات التنمية الجهوية خلال رئاسة قيس سعيد عن المشروع السياسي الذي تستمد منه جوهرها. وقد تبلور هذا المشروع وفُرِض تدريجياً عبر سلسلة من المراسيم، وهو ما يعكس إعادة هندسة عميقة لآليات الحوكمة والفعل السياسي. يكمن جوهر هذا المشروع في الرغبة المعلنة في إعادة تأسيس الدولة “من القاعدة”، من خلال تفضيل منطق تصاعدي للبناء المؤسسي والتشريعي. يعبر هذا التوجه عن نفسه بشكل خاص من خلال الشركات الأهلية وإنشاء آلية الصلح الجزائي، التي يتم تقديمها كأدوات للتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية على حد سواء. ومع ذلك، تثير هذه الترتيبات تساؤلات مهمة حول تماسكها الداخلي وشروط تطبيقها واستتباعاتها السياسية، لا سيما في سياق يتسم بتركز السلطة التنفيذية وتوسع السلطة المركزية على حساب الاستقلالية الجهوية.

1. أسطورة البناء القاعدي للديمقراطية أمام امتحان الممارسة

يعتمد المشروع الذي يقوده قيس سعيد على ما يصفه بـ “البناء القاعدي”، والذي قُدم على أنه إعادة تأسيس للسلطة التشريعية انطلاقا من الدوائر المحلية. في كل معتمدية، يتم انتخاب مجالس محلية عبر نظام الاقتراع على الأفراد في دورتين، مع إقرار مبدأ سحب الوكالة. ومن المفترض أن تمثل هذه المجالس المصالح المحلية وتقترح مشاريع التنمية المحلية. ويتمّ اختيار عضو بالقرعة من كل مجلس محلي لتمثيل المعتمدية في مجلس جهوي على مستوى الولاية وتكون عضويتهم بالتناوب كل 3 أشهر بالقرعة، ينتخب المجلس الجهوي ممثلا عن المعتمدية في مجلس الإقليم -تقسيم ترابي غير محدد بعد- و3 أعضاء لمجلس الجهات والأقاليم وينتخب مجلس الإقليم بدوره ممثلا عنه في المجلس الوطني لتكتمل تركيبة الغرفة الثانية التشريعي التي تتمتع بصلاحيات تشريعية في المسائل المتعلقة بالميزانية والمخطط التنموي.

على المستوى المعياري، يندرج هذا البناء في إطار خطاب الديمقراطية التشاركية الذي يهدف إلى تجاوز الوساطة الحزبية، المتهمة بمصادرة السيادة الشعبية. يهدف المشروع، من خلال استبعاد الأحزاب السياسية من العملية الانتخابية، إلى إرساء علاقة مباشرة بين المواطنين والمؤسسات، في قطيعة مع مبادئ الديمقراطية التمثيلية الكلاسيكية. ومع ذلك، يستند هذا المفهوم إلى رؤية اختزالية للمشاركة السياسية تقتصر على انتخاب هياكل محلية، مع غياب آليات مؤسسية للتداول أو صنع القرار المشترك أو الرقابة المواطنية المستمرة، كما تم تحليلها في الأدبيات المتعلقة بالديمقراطية التشاركية والتداولية[21].

تثير إعادة هندسة المشهد الترابي المرافقة لهذا المشروع كذلك تساؤلات جوهرية أمام نظريات اللامركزية وسياسات التنظيم الترابي. يستند التقسيم الجديد إلى تجزئة أكبر للمجال المحلي، من خلال مجالس من المفترض أن تمثل المصالح المحلية البحتة. ثم يتم تجميع هذه المجالس على المستوى الجهوي (الولايات) ثم يتم دمجها في خمس أقاليم لا تزال معايير رسم حدودها مبهمة ولا يبدو أنها تستند إلى تحليلات ديموغرافية أو اقتصادية أو جغرافية منهجية[22]. بيد أن هذه التقسيمات الترابية والإدارية تفترض تحديدا مسبقا للصلاحيات والموارد وآليات التنسيق، وهي مقومات غائبة بشكل جلي في هذا السياق.

من الناحية العملية، تفتقر المجالس المحلية والجهوية إلى السمات الأساسية للامركزية. فهي تفتقر إلى الصلاحيات التنفيذية الواضحة والاستقلالية المالية والقدرات الإدارية والتقنية اللازمة لتصميم وتنفيذ السياسات العمومية المحلية[23]. وبالتالي يقتصر دورها على وظيفة التمثيل الترابي الرسمي، في ظل غياب سلطة صنع قرار حقيقية تنظر في أولويات التنمية أو اعتمادات الميزانية أو أدوات الفعل العام. ينتج عن هذا الانفصال بين المسؤولية السياسية والقدرة على العمل لامركزية غير مكتملة، بل وهمية، حيث تكون المشاركة المحلية رمزية أكثر من كونها عملية.

أخيرًا، تكشف هذه الهندسة المؤسسية عن اختلال بنيوي بين مختلف مستويات الحوكمة. فبينما تتّسم المستويات المحلية والجهوية بطابعها المجزأ والضعيف مؤسسيًا، تظل السلطة التنفيذية مُمركزة للغاية على المستوى الوطني. تتركز معظم الصلاحيات الحكومية في يد رئيس الجمهورية (السلطة التنفيذية)، بما في ذلك تعيين وإقالة رئيس الحكومة، وهو ما يتعارض مع خطاب “البناء القاعدي” مما يطرح تساؤلا حول مدى انسجام النموذج المقترح. فبدلاً من إرساء حوكمة قائمة على التسيير القاعدي، نجد أنه يميل إلى إعادة تركيز للسلطة تأطرها هياكل تمثيل محلي تفتقر لأي قدرة على التغيير.[24].

وبالتالي، تصبح الديمقراطية القاعدية وهمًا، وآلية رمزية تضفي الشرعية على المركزية الاستبدادية. يشارك الممثلون المحليون في صياغة الخطاب، ولكنهم لا يشاركون في صنع القرار النهائي. يتم تأطير المشاركة القاعدية من قبل دولة أبوية، حيث يظل الرئيس المركز الوحيد للسلطة.

ضمن هذا السياق المؤسساتي القائم على مفارقة بين التوسع الشكلي للمشاركة المحلية والمحدودية المادية، يغدو من القصور اختزال إشكالية التنمية الجهوية في مجرد قنوات التمثيل السياسي. في مواجهة الحدود الهيكلية للمجالس المحلية والجهوية، يقوم المشروع الرئاسي بتوظيف الأدوات الاقتصادية التي يُفترض بها أن تعوض غياب القدرات التنفيذية والمالية للهيئات الترابية. وهكذا تقدم الشركات الأهلية كآلية أساسية، تقدم على أنها رافعة للتنمية المحلية وأداة للإدماج الاجتماعي والاقتصادي[25].

2. الشركات الأهلية والصلح الجزائي: الذراع الاقتصادي للبناء القاعدي

في إطار سعيه لإعادة تفعيل البعد الاجتماعي والاقتصادي للّحظة الثورية، يعتمد قيس سعيد على مقاربة “تنموية” خلاصية، تشكل الشركات الأهلية وآلية الصلح الجزائي ركائزها الأساسية. تُقدّم هذان الآليتان باعتبارهما الترجمة الاقتصادية «للبناء القاعدي» حيث يَعِدان بإعادة السيادة السياسية للشعب، وكذلك أدوات الفعل الاقتصادي. وفقًا لهذه الرؤية، يكفي استعادة “الأموال المنهوبة” وإعطاء المجتمعات المحلية إمكانية الوصول إلى “المقدرات الاقتصادية” لينطلق مسار جديد لخلق الثروة على قاعدة المشاركة والانتماء الجغرافي والوحدة الأخلاقية الموروثة من الثورة.[26]

في المقابل، يعتمد هذا التمثيل على فرضية ضمنية قوية مفادها أن التفاوتات الجغرافية والأزمة الاقتصادية التونسية ليست نتاجًا للهياكل الاقتصادية أو علاقات القوة الاجتماعية أو خيارات الاقتصاد الكلي، بقدر ماهي نتيجة مباشرة لنهب لاأخلاقي للموارد من قبل النخب الفاسدة. بهذا المعنى تتحول التنمية إلى قضية «استرداد» بدلاً من أن تكون عملية “تحول هيكلي”.

تتبوأ الشركات الأهلية مكانة محورية في هذه الرؤية، فهي تجسد فكرة تبسيطية مفادها أن التنمية المحلية يمكن أن تتحقق بشكل عفوي بمجرد أن تتقاسم مجموعة من السكان نفس المساحة الجغرافية وتتفق على مشروع اقتصادي. تفترض هذه المقاربة أن القرب الجغرافي والتجانس الاجتماعي يكفيان لتأمين التنسيق الاقتصادي وخلق فرص العمل وخلق الثروة.

بيد أن هذا المنظور يٌكرّس، في تقديرنا، مساراً لإفراغ التنمية من مضمونها السياسي. لا يُنظر إلى الشركات الأهلية على أنها جهات فاعلة اقتصادية مستقلة في منظومة إنتاجية وطنية، بل على أنها امتدادات محلية لمشروع سياسي مركزي[27]. بالإضافة إلى ذلك، يعكس انغراس هذه الشركات بشكل شبه حصري على مستوى المعتمدية رؤية اختزالية للتنمية الجهوية، حيث تم تحويلها إلى مجرد عملية تجميع لمشاريع قُرب صغرى متجاورة، تفتقر إلى أي ترابط استراتيجي، قطاعي، أو اقتصادي كلي.

يقطع هذا التوجه صراحة مع الأطر القائمة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني رغم مأسسته الفعلية قبل عام 2021[28]. ففي حين يرتكز هذا الأخير على بناء تدريجي وتعددي يتمتع باستقلالية تجاه السلطة السياسية، تندرج الشركات الأهلية ضمن علاقة تبعية وثيقة للدولة المركزية. تخضع المشاركة التي تُروج لها هذه الشركات لتأطير ومرافقة صارمة من قبل الدولة المركزية[29]. في الواقع، يكشف هذا الدور الكبير للإدارة المركزية في إنشاء ومرافقة هذه الشركات، بل وحتى في ضمان بقائها، تناقضا مهما: فبقدر ما تُقدَّم هذه الشركات باعتبارها تجسيداً للمبادرة الشعبية، بقدر ما تزداد تبعيتها للسلطة التنفيذية من أجل ضمان وجودها. تُحوّل هذه التبعية مشروعًا كان يفترض به تحقيق الانعتاق الاقتصادي إلى أداة لمركزية جديدة مٌقنّعة.

من الناحية الاقتصادية، تعاني الشركات الأهلية من وهم أساسي[30] وهو الاعتقاد بإمكانية تحقيق تنمية محلية ذاتية وعفوية، منبتّة عن القيود الهيكلية للاقتصاد التونسي. من خلال التركيز على أنشطة محلية ذات قيمة مضافة ضعيفة، كالفلاحة والخدمات المرتبطة بها أو خدمات القرب، يتجاهل مشروع الشركات الأهلية قضايا جوهرية تتعلق بالإنتاجية، والاندماج في سلاسل القيمة، والأسواق، والاستدامة المالية. علاوة على ذلك، يتعزز قصر النظر الاقتصادي هذا بسبب غياب رؤية صناعية أو قطاعية وطنية. صُمّمت المشاريع على قاعدة “احتياجات محلية” يُفترض أنها بديهية، وليس على أساس المفاضلات السياسية الصريحة حول الأولويات الاقتصادية للبلاد. وبالتالي، تُختزل التنمية الجهوية في استجابة آنية لحالات طوارئ اجتماعية مما يجعلها عاجزة عن إنتاج مسارات نمو متوسطة أو طويلة المدى.

بل إن تراكم الامتيازات الجبائية والمالية والعقارية الممنوحة للشركات الأهلية يعكس منطقا يقوم على الاستعجال والارتجال. إن هذه الامتيازات الممنوحة في ظل غياب رؤية شاملة، تجعل هذه الهياكل رهينة استمرار هذه الموارد العمومية[31] عوض الاستدامة الاقتصادية الحقيقية.

يمثل الصلح الجزائي الركيزة الثانية لهذا النموذج. ويُنظر إليه على أنه مصدر للتمويل يمكن استخدامه لدعم الشركات الأهلية، وعلى نطاق أوسع، التنمية المحلية. هنا مرة أخرى، يغلب المنطق الأخلاقوي على المنطق الاقتصادي، فهذه السياسة تبدو إصلاحا رمزيا للحيف من خلال تمويل تنمية المناطق المهمشة من قبل أولئك الذين يُفترض أنهم ساهموا في إفقارها. تُحدث هذه الآلية تحولًا جوهريا، حيث تستبدل العدالة الانتقالية، القائمة على كشف الحقيقة والمسؤولية وضمان عدم التكرار بمنطق تعاقدي موجه نحو استدرار سريع للموارد المالية. تصبح التنمية بهذا المعنى نظيرا للتخلي عن العدالة السياسية والذاكرة الجماعية[32].

على المستوى المؤسسي، يُكرّس الصلح الجزائي تركز الصلاحيات مركزيا. يخرج اختيار المشاريع وموقعها ومتابعتها إلى حد كبير عن نطاق المؤسسات المحلية والآليات التقليدية للرقابة الديمقراطية. تكشف المشاركة المتزايدة للهياكل المركزية في توجيه الأموال أن المشاركة المحلية المُعلنة تخضع لقرار نهائي مركزي بحت.

من الناحية العملية، أثبت الصلح الجزائي، بصيغته الأصلية، أنه قليل الجدوى، بل محكوم عليه بالفشل من الناحية الهيكلية، إذ ظلت قيمة الأموال المسترجعة فعليا دون سقف الطموحات المعلنة والانتظارات التي أثارتها السلطة. ورغم إرجاع الرئيس قيس سعيّد هذا الإخفاق إلى أداء اللجنة وكفاءة أعضائها، إلا أن المراجعة شملت الإطار القانوني نفسه (المرسوم المنظم للصلح)، توازياً مع إعادة تشكيل اللجنة التي يُعين أعضاؤها مباشرة من قبل الرئيس. وبعيداً عن التبريرات القانونية أو التقنية، هدف هذه التنقيح إلى «تسهيل» إجراءات استرداد الأموال عبر تجاوز “التعقيدات الإجرائية”.

وقد اقترن هذا التنقيح بتعزيز مركزية منظومة الصلح الجزائي، لا سيما عبر إدماج وزارة العدل ومجلس الأمن القومي في معالجة الملفات ومتابعتها، سواء تعلق الأمر بعقود الصلح المبرمة مع المعنيين، أو بالمشاريع التنموية المفترض أن تشكل المقابل المادي للالتزامات المالية المطلوبة في إطار هذه الآلية.

في الختام، تجسد الشركات الأهلية والصلح الجزائي خللا بنيوياً في مشروع قيس سعيد يتمثل في الفجوة بين خطاب تحرري وممارسة سلطوية. فالمشاركة الشعبية، رغم استحضارها الدائم، تظل محصورة في التزكية الرمزية لمشاريع يتم تصميمها وتمويلها والتحكم فيها من قِبل المركز. وبذلك، تتحول التنمية الجهوية إلى «آلية استعراضية»؛ فهي لا تغير البنى الاقتصادية أو موازين القوة الترابية في العمق، بقدر ما تسمح بإعادة إنتاج سردية «الدولة العادلة» المستردّة للسيادة الشعبية. إن وهم المشاركة يحجب واقعاً أكثر كلاسيكية يتعلق بدولة مركزية توظّف الجغرافيا كمورد سياسي، دون أن تمنحها سلطة فعلية.

3. مخطط التنمية 2026-2030: مشاركة صورية دون سياسة

يحتل مخطط التنمية 2026-2030 مكانة محورية في خطاب ومشروع قيس سعيد، حيث يُقدَّم باعتباره الترجمة التخطيطية لـ«البناء القاعدي»، ومن المفروض أن يقطع مع عقود من السياسات العمومية المركزية، والمنفصلة عن «الاحتياجات الحقيقية للشعب». وفي هذا السياق، تُمثّل عبارة “التصعيد والتأليف” أحد أبرز العلامات الخطابية المميزة للمخطط الجديد، حيث يُفترض أن ينطلق المسار التنموي من المجالس المحلية ثم من بعد ذلك إلى المجالس الجهوية مرورا بالأقاليم وصولاً إلى المركز الذي يقتصر دوره على التأليف والتنسيق[33].

بيد أن هذا الوعد بالقطع مع الماضي يستحق المساءلة على ضوء الممارسات، ولكن خصوصا من خلال قراءة متأنية لموازين القوة وأشكال المشاركة والمكانة الممنوحة للوساطة السياسية.

في الواقع، يستند الخطاب الرئاسي ضمنيًا إلى فكرة أن مخططات التنمية السابقة كانت “مفروضة من قبل المركز”، دون اعتبار حقيقي للخصائص الجغرافية أو مشاركة الجهات الفاعلة المحلية، غير أن تحليل المنهجيات المُعتمدة في عمليات التخطيط السابقة، لا سيما تلك التي تم تقنينها في عام 2016، يكشف عن واقع أكثر تباينا. وقد استندت هذه المنهجيات بالفعل إلى الربط بين اللجان القطاعية الوطنية، ذات صبغة تقنية واستراتيجية، واللجان الإقليمية، المسؤولة عن التشخيص الترابي وتحديد الأولويات المحلية وتثمين موارد محددة، فضلا عن إرساء مستوى وطني للتشاور يتولى ترتيب الأولويات والتحكيم بين المطالب الجغرافية والقطاعية[34].

وبعبارة أخرى، خلُصت المنظومات السابقة صراحة إلى الحاجة إلى تنسيق متعدد المستويات في مسألة تحديد الخيارات التنموية. لم يستحدث مخطط 2026-2030 مبدأ المشاركة، بل أعاد تعريف أشكالها.

تتميز المنهجية المعتمدة لمخطط التنمية 2026-2030 بمشاركة شديدة التقييد ترابيا وتقتصر على المجالس المحلية والجهوية والمستويات المستحدثة مؤخرا. ويستند هذا التصور إلى مفهوم ضيق للمشاركة يختزلها في التعبير عن الاحتياجات المحلية، دون وجود فضاء للمداولات البرنامجية. لا يشارك المواطنون كفاعلين سياسيين، ولكن كأعضاء في وحدات محلية من المفترض أن تصوغ أساسا مطالب محلية وفورية. ويرافق هذا التحول تهميش صريح للأجسام الوسيطة (الأحزاب والنقابات والجمعيات) تحت شعار الاستعادة المباشرة للسلطة من طرف الشعب. بيد أن هذا الإقصاء لا يقوم بتعزيز السيادة الشعبية، بل يجرّد المشاركة السياسية من فاعليتها، من خلال حرمانها من التنظيمات التي من دورها “تجميع المصالح الفردية” وتحويلها إلى برامج سياسية تتنافس في الفضاء العام.

إنّ تقديم المخطط على أنه تتّخذ مسارا تصاعديا، لا ينفي أنّ هندسته المؤسساتية تكشف عن مركزية مستمرة، بل ومعززة لسلطة صنع القرار. لا يقتصر الدور المسند إلى المركز على دور الحكم التقني المسؤول عن ضمان الاتساق الوطني فحسب، بل دور الجهة الفاعلة التي تتمتع بسلطة تقديرية لاختيار المقترحات المحلية وتحديد أولوياتها وإعادة صياغتها.

إن هذا الوعد بمشاركة معممة يستوجب، مرة أخرى، المساءلة، لا فقط على ضوء الممارسات السابقة، بل أساساً انطلاقاً من ميزان القوة غير المتكافئ الذي يسوس هذا المسار ويجدّد نتائجه. في الواقع، منذ المراحل الأولى من صياغة المخطط، سلّط الخطاب الحكومي الضوء على البعد الكمي للمسار[35]، حيث أعلنت رئاسة الحكومة تشريك 279 مجلساً محلياً و24 مجلساً جهويا و5 مجالس أقاليم تتوزع جلسات عملها على النحو التالي:

  • 3317 جلسة عمل على مستوى المجالس المحلية.
  • 154 جلسة عمل على مستوى المجالس الجهوية.
  • 12 جلسة عمل على مستوى مجالس الأقاليم.

وقد تُوّج هذا المسار ب 35,435 مقترح مشروع، 90.6 ٪ منها محلية بحتة.

وتسعى هذه الأرقام، التي حظيت بترويج واسع، إلى إثبات الطابع الشامل وغير المسبوق لهذا المسار.  بيد أنّ هذا التضخم الكمّي يخفي عجزًا نوعيًا جوهريا، إذ تختزل المشاركة في عدد الاجتماعات والمشاريع المرفوعة، لا بقدرة الفاعلين المحليين على التداول وترتيب الأولويات والحسم في الخيارات التنموية.

وبعبارة أخرى، يُنظر إلى المشاركة هنا على أنها ضرب من ضروب الإنتاج الإداري (حصر المشاريع، وعقد الاجتماعات، وملء الجداول، وما إلى ذلك) بدلاً من النظر إليها كمسار تداولي تتقابل فيه رؤى فاعلين ذوي مصالح متباينة، لبلورة الأولويات والتحكيم عند الاختيار. وبذلك، تتحول التنمية إلى مجرد تراكم لمشاريع صُغرى تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية وإلى مقتضيات الانسجام الاقتصادي الشامل. وليس هذا التحول محايدا من الناحية السياسية، ففي غياب تراتبية محلية واضحة للأولويات، يتم اعادة مركزة سلطة التحكيم آليا، إذ لم تعد القاعدة هي التي تختار، بل غدا المركز هو المسؤول عن الانتقاء والتصنيف وإعادة الصياغة[36] مستندا في ذلك إلى الشرعية الإجرائية التي تمنحها المشاركة الحاشدة قبليا. وهكذا، فإن التضخم الكمي للمشاركة لا يعكس تعميقا للممارسة الديمقراطية، بقدر ما يجسّد إفراغا للخيارات التنموية من جوهرها السياسي، إذ يتم تحييد تباين المصالح والاختلافات الأيديولوجية والبدائل الاستراتيجية لفائدة مشاركة خاوية من سلطة القرار، يشارك فيها “الشعب” مشهديا دون قدرة فعلية على اتخاذ القرار.

علاوة على ذلك، يكمن جوهر المفارقة في الدور المنسوب إلى المركز في مسار يُوصف مع ذلك بأنه قاعدي. من الناحية الرسمية، تكتفي السلطة المركزية بدور الدعم التقني والتأليفي. أما في الممارسة العملية، تلعب هذه السلطة دورًا حاسمًا في تأطير المجالس المحلية وتدريبها وتوجيهها في صياغة مقترحاتها.

تضمن وزارة الاقتصاد والتخطيط، بالتنسيق مع الوزارات الأخرى، ما[37] يلي:

  • تدريب ومرافقة المجالس المحلية والجهوية،
  • نشر الأُطر المنهجية،
  • مواءمة المقترحات مع الأولويات المحددة مسبقًا.

ونتيجة لذلك، تتحول مشاركة المجالس المحلية أو الجهوية إلى تمرين على الامتثال بدلاً من الاستقلالية. فالتصعيد هنا ليس حركة تنبع من الأطراف نحو المركز، بل عملية صعود مشروط، حيث تتحدث القاعدة لغة مُلقّنة جرى ضبطها والمصادقة عليها من قبل القمة.

تُولّد هذه الآلية انحرافًا كلاسيكيًا لمفهوم السلطة التشاركية، فبقدر ما يؤكد المركز على “إعادة الكلمة للشعب”، بقدر ما يُعزز قدرته على ضبط هذه الكلمة. من خلال تدريب المجالس المحلية على تصور للتنمية مبني وفقًا لنماذج تقنية مفروضة، تُحوّل السلطة المركزية المشاركة إلى أداة لإضفاء الشرعية على توجهاتها الخاصة.

وعليه، تبدو المجالس المحلية وكأنها هيئات إسناد خارجي للمسؤولية السياسية، فهي تفرز آلاف المشاريع، لكنها تفتقر إلى الموارد المالية، والقدرة على اتخاذ القرار، وهوامش التحكيم الضرورية لتنفيذها، في حين يستأثر المركز بصلاحية الاختيار النهائي بمنأى عن أي مساءلة أو واجب تقديم التوضيحات للفاعلين على المستوى المحلي.

في نهاية المطاف، يُجسّد مخطط التنمية 2026-2030 تناقضًا جوهريا لمشروع قيس سعيد، فهو يعلن سيادة القواعد ويكرّس، في الوقت ذاته، مركزية السلطة التنفيذية. تصبح المشاركة، التي تم إفراغها من بعدها السياسي والصراعي، أداة لإضفاء الشرعية على سلطة تقدم نفسها على أنها منبثقة مباشرة من الشعب، في حين أنها تفرض ضوابط صارمة على آليات التعبير عن هذه الإرادة. وبدلاً من معالجة التفاوتات الجهوية، يهدّد هذا التخطيط التصاعدي المؤطّر بإعادة إنتاج منطق الهيمنة بين المركز والأطراف بأشكال متجددة، رغم ادعائه القطيعة معها.

III: حصيلة سلطة 25 جويلية في مجال التنمية الجهوية: بين التنصل من المسؤولية والبحث عن المشروعية

ينبغي قراءة الحصيلة الاقتصادية للتنمية الجهوية في عهد قيس سعيد من خلال تفكيك المنهجية المعتمدة المتمثلة في “التخطيط التصاعدي”. على الرغم من الإعلانات عن مخطط تنموي “ينبثق من القاعدة” والإنتاج الضخم للمشاريع المحلية، تكشف المؤشرات الاقتصادية عن نتائج متباينة مما يعكس حدود نموذج تقوم فيه المشاركة على التأطير، بينما تظل سلطة القرار النهائي مركزية.

جرى الترويج لمُخطّط التنمية 2026-2030 على أنه لحظة فارقة في مسار المشاركة المحلية، بأكثر من 35000 مشروع مقترح من قبل المجالس المحلية، حوالي 90 ٪ منها على نطاق محلي بحت. يتم توظيف هذا التضخم في المشاريع بانتظام كدليل على الطابع الشامل لهذا المسار وقطيعته مع السياسات السابقة. بيد أنّه يكشف، خصوصا من وجهة نظر اقتصادية، عن تجزئة شديدة للجهود الاستثمارية.

كما لا تزال الموارد المالية المتاحة مُقيّدة بسبب وضعية الاقتصاد الكلي في البلاد، وارتفاع الديون[38]، وانخفاض الهوامش التصرف في الميزانية. في هذا السياق، تتعلق غالبية المشاريع المقترحة بالبنية التحتية أو التهيئة المحلية أو المبادرات الفلاحية ذات الإمكانات الاقتصادية المنخفضة. من ناحية أخرى، لا تزال هيكلة الاستثمارات: المناطق الصناعية المُدمجة، والبنية التحتية اللوجستية الجهوية، والسياسات الصناعية التي تستهدف المناطق الداخلية، هامشية، على وجه التحديد لأنها تحتكم إلى توازنات مالية محكومة بالتحكم في النفقات وتنسيق وطني يحتفظ المركز بالسيطرة الحصرية عليه.

وبالتالي، فإن المنهجية التصعيدية تُوجّه الفاعلين المحليين نحو المشاريع “القابلة للتنفيذ”، تتماشى مع الضوابط المركزية، على حساب الاستراتيجيات الجهوية الطموحة. تخفي الوفرة الكمية عجزًا نوعيًا، فرغم الكثرة العددية للمشاريع تبقى قدرتها على التأثير الإقتصادي المستدام ضعيفة.

على الرغم من الاستحضار الخطابي المتكرر لمرجعية “الدولة الاجتماعية” من قبل رئيس الدولة، فإن تحليل البيانات الاقتصادية الفعلية يكشف عن وجود تناقض صارخ بين الخطاب السياسي وتوجهات الميزانية المنفذة. عمليا، لا تزال السياسات العامة مبنية إلى حد كبير على منطق التقشف والتداين، على الرغم من الرفض الرسمي لإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي والوعد بالقطع مع النماذج الاقتصادية السابقة. وفي هذا الصدد، يتجاوز عجز الميزانية المتوقع لعام 2026 11 مليار دينار، وهو مستوى يستوجب اللجوء لقروض جديدة، لا سيما من البنك المركزي، لتغطيته.

هذا ويؤكد تحليل قانون المالية لعام 2026 غياب مثل هذه القطيعة الهيكلية. يخلو النص على أي تدابير اجتماعية استثنائية أو سياسات إعادة توزيع جهوية ترتقي إلى مستوى الطموحات التي يعلنها الخطاب الرسمي. وبصرف النظر عن بعض التدابير المُوجّهة كتسوية وضعية بعض الفئات في الوظيفة العمومية وفتح خطوط تمويل قطاعية، فإن ما يميز قانون المالية مراكمته لإجراءات متفرقة تفتقر إلى التناسق ضمن رؤية اقتصادية أو استراتيجية متكاملة.

أما فيما يتعلق بالتنمية الجهوية، ينصُّ القانون على إنشاء خط تمويل بقيمة 15 مليون دينار لمنح قروض بشروط مُيسرة، تُعدّل وفق مؤشرات التنمية الجهوية، من أجل دعم الشركات الموجودة في المناطق التي سجّلت معدلات نمو منخفضة. بيد أن هذا النوع من النظام، الذي تم اعتماده بشكل متواصل منذ قرابة العقدين، أثبت عجزه عن الحد من التفاوتات الجهوية أو دفع عجلة التنمية المحلية في المناطق الداخلية. في ظل غياب استثمارات في البنية التحتية والخدمات العامة الأساسية والاقتصاد المحلي، فإن مواصلة العمل بفلسفة التدخل ذاتها غير كافية للاستجابة للإكراهات الهيكلية التي تعيق التنمية الجهوية.

كما ينص قانون المالية على إنشاء عدة خطوط تمويل قطاعية: خط لصالح المؤسسات الصغرى والمتوسطة، مصحوبًا بدعم حكومي للفرق بين سعر الفائدة المطبق على القروض الاستثمارية ومتوسط سعر السوق النقدية، خط بقيمة 23 مليون دينار مخصص لباعثي المؤسسات الصُغرى، بالإضافة إلى 10 ملايين دينار لصالح صغار الفلاحين. وفي المقابل، تحظى الشركات الأهلية، التي تتبوأ صدارة الأولويات في السياسات الحالية، بالنصيب الأكبر من المخصصات، بمبلغ يصل إلى 35 مليون دينار.

أخيرًا، لا يظهر تحليل توزيع نفقات الاستثمار العمومي أي تحول جوهري من شأنه أن يعكس إرادة لإعادة التوازن جهويا، حيث لا تزال خيارات الاستثمار تتسم بالتفاوت بين القطاعين العام والخاص حسب الجهة، فضلاً عن غياب الوضوح فيما يتعلق بالأولويات المتعلقة بمختلف مهام الدولة على المستوى الترابي. وهو ما يؤكده مؤشر التنمية الجهوية (IDR) لعام 2024، والذي يكشف الاختلافات الجوهرية بين المناطق الساحلية والداخلية. على مقياس من 0 إلى 1، تتراوح النتائج الجهوية بين 0.565 و 0.365، في حين يبلغ المتوسط الوطني حوالي 0.461، دون تسجيل أي تحسن ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة. لا تزال الولايات الساحلية، مثل تونس (0.56) والمنستير (0.53)، تظهر مستويات أعلى بكثير في مؤشر التنمية مقارنة بالمناطق الداخلية مثل القصرين (0.37) والقيروان (0.36).  يؤكد هذا الوضع استمرار التفاوتات الجهوية ويبين محدودية الأثر الفعلي لتضاعف عدد المشاريع المحلية على تقليص الفوارق الهيكلية.

ومن ناحية أخرى، تجد حالة التشتت التي يعاني منها الاستثمار صداها المباشر في مؤشرات البطالة ونسب الفقر. فلا يزال معدل البطالة الوطني مرتفعًا بنحو 15 ٪ في عام 2025 في ظل استمرار التفاوتات الجهوية، إذ تخطّت نسبة بطالة الشباب 35 ٪ في العديد من المناطق الداخلية، [39] مع هيمنة القطاع غير المنظم على سوق الشغل. لم تنتج الشركات الأهلية والمشاريع المحلية التي تم الترويج لها كرافعات لخلق فرص العمل، سوى تأثير هامشي شبه منعدم.

وللتذكير، تتركز غالبية مواطن الشغل التي تحدثها هذه الشركات في الأنشطة ذات القيمة المضافة المنخفضة، المرتبطة بالخدمات المحلية أو المشاريع الفلاحية والحرفية الصغيرة. ولا تسمح هذه المبادرات باستيعاب مستدام للبطالة الهيكلية، ولا تتيح الارتقاء بمستوى الإنتاج في المناطق المهمشة. وبالمثل، لا تزال مؤشرات الفقر متعددة الأبعاد مرتفعة في نفس المناطق التي انطلقت منها الثورة[40]، مما يؤكد غياب قطيعة اقتصادية حقيقية مع الخيارات السابقة.

في هذا السياق، يساهم البناء القاعدي، على نحو مفارق، في التنصل من مسؤولية الفشل حيث يمكن أن يُعزى استمرار البطالة والفقر إلى نقص أو عدم تناسب المشاريع المحلية، بدلاً من تحميل المسؤولية إلى خيارات الاقتصاد الكلي والميزانية التي يُقرها المركز.

وفيما يتعلق بالخدمات العمومية، فإن الوضع لا يخلو بدوره من التباس. لا تزال المناطق الداخلية تعاني من عجز هيكلي فيما يتعلق بالولوج إلى خدمات الرعاية الصحية والتعليم والنقل والبنية التحتية الأساسية. وإذا كانت بعض المشاريع المحلية تسمح بإجراء تحسينات ظرفية، فإنها لا تمس جوهر التفاوتات التاريخية في توزيع الاستثمارات العمومية[41]. لا تزال الخدمات العمومية تعتمد على القرارات المركزية، في حين أن المجالس المحلية لا تتمتع بالاستقلال المالي كما أنها تفتقر للصلاحيات التنفيذية الضرورية للتأثير على هذه المسارات.

يبدو أن هذه المحصلة الاقتصادية المحدودة تندرج في مسار “تبرئة” أوسع للدولة المركزية. من خلال مشهدية المشاركة الواسعة للقواعد وإسناد مهمة اقتراح المشاريع للمجالس المحلية، تضع السلطة التنفيذية نفسها في موقع المُيّسر والمنسق، لا في موقع المسؤول المباشر عن النتائج الاقتصادية.

وبالتالي، فإن التخطيط التصاعدي للتنمية يجعل من الممكن تحويل أوجه القصور في التنمية الجهوية إلى إشكال يتعلق بالقدرة المحلية، بدلاً من اعتبارها خيارا سياسيا مركزيا. وفي الوقت نفسه، فإن مركزة القرار النهائي والموارد المالية تضمن سيطرة المركز على عمليات التحكيم الاستراتيجية، دون أن يكون للجهات إمكانية للمساءلة.

في نهاية المطاف، يكشف تقييم حصيلة التنمية الجهوية في عهد قيس سعيد عن مفارقة اقتصادية جوهرية، فبقدر ما تبدو المشاركة مرتفعة من الناحية العددية، يظّل التحول الهيكلي من أجل التنمية الجهوية محدودًا. لا تزال التفاوتات الجهوية والفقر والبطالة قائمة، كما لم تشهد المرافق العمومية تحسينات جوهرية، وبقيت مجزأة وغير متاحة للعموم بشكل متكافئ.

تحول منهجية التخطيط التصاعدي، وتفريغ المشاركة من محتواها السياسي، ومركزية السلطة التخطيط إلى أداة لإضفاء الشرعية السياسية، بدلاً من أن يكون محركا للحد من التفاوتات الجهوية. بدلاً من كسر ثنائية ‘المركز والهامش”، يكرّس مشروع سعيّد هذا المنطق برؤية محدثة، ففي حين يُلقى بعبء المسؤولية الاقتصادية على كاهل القاعدة، يبقى زمام القرار محصوراً، في أعلى هرم السلطة.

الخاتمة

رغم تقديمه كمشروع لإعادة تأسيس جذري للتنمية يقوم على سيادة الشعب والقطيعة مع السياسات “المسقطة من فوق” يمثّل مشروع قيس سعيد،في الواقع، شكلا متجددا من المركزة السياسية وإفراغ الاقتصاد من مضمونه السياسي.

تستند شعبوية الرئيس سعيد إلى قراءة أخلاقوية للأزمة التي تعرفها البلاد، تختزل التفاوتات الترابية وضعف التنمية الجهوية في اختلالات التمثيل والفساد واستلاب التعبير الشعبي. بيد أن هذه القراءة تُغيّب المحددات الهيكلية للتنمية، من قبيل الخيارات الماكرو-اقتصادية، والسياسات الصناعية، والتحكيم على مستوى الميزانية، وغيرها، لتقوم باستبدالها بحل إجرائي يتمثل في المشاركة التصاعدية. بناء على ذلك، وكما تُبيّن ذلك الحصيلة الاقتصادية، فإن المشاركة، عند تأطيرها وتقنينها أو حرمانها من سلطة صنع القرار الحقيقية، لا تشكل رافعة للتحول، بل أداة لإضفاء الشرعية.

وبالتالي، فإن التخطيط التصاعدي يُحدث حركة مزدوجة. فمن جهة، تعمل هذه المنهجية على نقل الصراع السياسي إلى خارج الفضاء المركزي، إذ لم تعد الخيارات التنموية موضوعاً للنقاش العام حول الأولويات الاقتصادية، بل أصبحت مجرد تجميع تقني لمشاريع محلية مشتتة. وتُبرئ من جهة أخرى ذمة الدولة عبر تحميل مسؤولية الفشل أو قصور السياسات الجهوية إلى القاعدة، المُطالبةِ منذ الآن ‘بإنتاج’ تنميتها الخاصة، دون أن تمتلك الموارد اللازمة، ولا الاستقلال المالي، ولا هوامش الفعل اللازمة. وتتبنى منهجية إعداد مخطط التنمية تشريكا للمجالس المحلية المشكّلة محمولا من طرف المركز، بينما تستأثر السلطة التنفيذية بالقرار النهائي. وبهذا، يتم تفريغ المشاركة من أبعادها السياسية والتداولية لفائدة مشاركة إجرائية شكلية.

تندرج هذه العملية ضمن مقاربة شعبوية، حيث تقدم الدولة نفسها على أنها الانبثاق المباشر للشعب، وتعمل في الآن ذاته على تحييد الوساطات السياسية والاجتماعية والترابية. يساهم قمع الأجسام الوسيطة وإضعاف الأحزاب وتهميش المجتمع المدني المُنظَّم في هذا التحييد السياسي الاستبدادي، حيث يستحضر المواطن كمنتج للمشاريع، ولكن يتم استبعاده من مساحات التداول واتخاذ القرار.

وهكذا، تُؤكد الحصيلة الاقتصادية للتنمية الجهوية في عهد قيس سعيّد وجود تناقض جوهري، فبقدر ما يتم التذرع بالسيادة الشعبية، تزداد مركزية السلطة، وبقدر ما يتم التباهي بالمشاركة، يتضاءل الاستقلال الفعلي للجهات. لا تزال التفاوتات الجهوية والفقر والبطالة قائمة، ليس بسبب غياب المشاركة، ولكن بسبب الافتقار إلى سياسات اقتصادية واضحة ومبنية سياسيا.

في النهاية، بدلاً من تصحيح الاختلالات التاريخية بين المركز والأطراف، يميل مشروع سعيد إلى إعادة انتاجها، حيث تصبح “التنمية” أداة للحكم والمشاركة خطابا لإضفاء الشرعية. يطرح هذا الوضع تساؤلات حول حدود الشعبوية التي، من خلال الادعاء بإعادة السلطة إلى الشعب، تعطل الشروط السياسية ذاتها اللازمة لتحقيق تنمية جهوية حقيقية ولإدماج اجتماعي واقتصادي.


[1] رئاسة الحكومة تقدّم مشروع مخطط التنمية 2026-2030 محور مجلس وزاري بإشراف رئيسة الحكومة، بلاغ منشور بتاريخ 12 ديسمبر 2025، بوابة رئاسة الحكومة، تاريخ الاطلاع[15 ديسمبر 2024]

 https://pm.gov.tn/en/node/2924.

[2] المصدر نفسه.

[3] الصغير، الصالحي، الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتكاففئة 2017.

[4] حمادي التيزاوي. “من أجل براديغم جديد للتنمية الجهوية في تونس”، الفصل 9،  إشراف ماهر قصاب، الاقتصاد التونسي 2024: أي مستقبِل للصمود الاقتصادي؟ تونس، GI4T – نيرفانا، 2024.

[5] المصدر نفسه

[6] المصدر نفسه.

[7] المصدر نفسه.

[8] الجمهورية التونسية، وزارة التنمية الجهوية. “تونس: رؤية جديدة للتنمية الجهوية”. تونس: وزارة التنمية الجهوية، 2011.

[9] حصيلة تجربة اللامركزية في تونس: مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي، تونس، منظمة البوصلة، 2024، 137 ص.

[10] المصدر نفسه.

[11] المصدر نفسه.

[12] صحبي خلفاوي. “موجز في الشعبوية”. في: سلطة الفرد الواحد: مؤلف جماعي بإشراف حمادي الرديسي. تونس: ديوان للنشر، 2023، ص. 17-33.

[13] قوبي، إيريك. “شعبوية قيس سعيد كبلورة لأزمة النظام البرلماني التونسي”، 2022، منصة (HAL) المفتوحة، المُعرف : halshs 03613984

[14] المصدر نفسه.

[15] كلمة مستعارة من ديباجة دستور 2022. دستور الجمهورية التونسية الصادر في 26 من شهر ذي الحجة الحرام 1443 الموافق لـ 25 جويلية 2022. ” إنّنا، ونحن نقرّ هذا الدّستور الجديد، مؤمنون بأنّ الدّيمقراطيّة الحقيقيّة لن تنجح إلاّ إذا كانت الدّيمقراطيّة السّياسيّة مشــفوعة بديمقراطيّة اقتصادية واجتماعيّة، وذلك بتمكين المواطن من حقّه في الاختيار الحرّ، ومن مساءلة من اختاره، ومن حقّه التّوزيع العادل للثّروات الوطنيّة.”

[16] منظمة البوصلة (2024): حصيلة تجربة اللامركزية في تونس : مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي. ص 137

[17] مرسوم عدد 8 لسنة 2023 مؤرخ في 8 مارس 2023 يتعلق بتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء وإتمامه.

مرسوم عدد 9 لسنة 2023 مؤرخ في 8 مارس 2023 يتعلق بحلّ المجالس البلدية.

مرسوم عدد 10 لسنة 2023 مؤرّخ في 8 مارس 2023 يتعلّق بتنظيم انتخابات المجالس المحلّية وتركيبة المجالس الجهويّة ومجالس الأقاليم.

[18] تتراوح نسبة إقبال الناخبين بين 11 و12% من الناخبين، وفقاً لبيانات من هيئة الانتخابات

[19] البيرتزي، دانييلي ؛ ماكدونيل، دنكان. الشعبويون في السلطة، لندن، روتليدج، 2015، 218 ص. المعرف: 10.4324/9781315725789.

[20] مھدي العش ؛ محمد صحبي الخلفاوي، سامي بن غازي. «الرئیس یرید:تناقضات نظام البناء القاعدي ومخاطره». المفكرة القانونیة ـ ورقة بحثیة، عدد ،117 .2022

[21] جوب، إريك. شعبوية قيس سعيد كبلورة لأزمة النظام البرلماني التونسي، 2022، HAL، المعرف: halshs -03613984.

[22] البوصلة (أكتوبر 2023) تقسيم الأقاليم: اختزال انتخابي ضيق لتحديات تنموية عميقة  

[23] البوصلة، قراءة في القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم: نص هزيل لمجالس صوريّة، تونس، 23 أفريل 2025.

[24] المصدر نفسه.

[25] ياسين النابلي، مهدي العش، مرسوم الشركات الأهليّة التاريخ: مشروع للعدالة أم الهيمنة؟، المفكرة القانونية، 12 أفريل ديسمبر 2022.

[26] المصدر نفسه.

[27] المصدر نفسه.

[28] بن عيسى لطفي، “الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والشركات الأهلية، أيّ مصائر؟”، ضمن مؤلف جماعي بإشراف حمادي الرديسي، سلطة الفرد الواحد، تونس، المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي، 2023، ص. 271.

[29] الفصلان 64 و 65 من المرسوم عدد 15 لسنة 2022 مؤرخ في 20 مارس 2022 يتعلق بالشركات الأهلية

[30] خليل العربي، الشركات الأهليةأداة لصناعة الأوهام في الاقتصاد والسياسة “””، المفكرة القانونية، 6 جوان 2023.

[31] سمية المعمري، الشركات الأهليةموارد الدولة وامتيازاتها في خِدمة مشروع غامض”:”، المفكرة القانونية، 11 نوفمبر 2024 .

[32] أسماء سلايمية، ” مرسوم الصلح الجزائي مصالحة الفاسدين أمر واقع :”المفكرة القانونية, ,13 أفريل 2022

[33] الجمهورية التونسية،وزارة الاقتصاد والتخطيط، “دليل إعداد تقارير السياسات العمومية الخاصة بمخطط التنمية2030-2026″، ماي 2025.

[34] الجمهورية التونسية، وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، “خلاصة خطة التنمية 2016 – 2020″، 23 مايو 2016.

[35] رئاسة الحكومة التونسية، “متابعة إعداد مخطط التنمية2026 – 2030محور مجلس وزاري”، صفحات النات، 9 جويلية 2025، قصر الحكومة بالقصبة.

[36] رئاسة الحكومة التونسية، “متابعة إعداد مخطط التنمية2026 – 2030محور مجلس وزاري”، صفحات النات، 9 جويلية 2025، قصر الحكومة بالقصبة.

[37] رئاسة الحكومة التونسية، “منشور عدد10 لسنة 2025 حول إعداد مخطط التنمية 2026 – 2030″، 2025.

[38] ويبدو، “تونس: الدين العام يتجاوز 135 مليار دينار”، 12 يونيو 2025.

https://webdo.tn/en/actualite/national/tunisia-public-debt-crosses-135-billion-dinars/384150/?utm_source=chatgpt.com.

[39] https://www.ins.tn/statistiques/153.

[40] INS، البنك الدولي، تونسية “خريطة الفقر في”، سبتمبر 2020. https://ins.tn/sites/default/files/publication/pdf/Map%20de%20la%20pauvret%C3%A9%20en%20Tunisia_final_0.pdf.

[41] البوصلة، المجالس المحلية وسراب التنمية “”، 6 سبتمبر 2024.

]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/20267314/feed 0
البناء القاعدي والتنمية الجهوية في تونس من منظور كاريكاتوري https://www.albawsala.com/ar/publications/20267284 https://www.albawsala.com/ar/publications/20267284#respond Mon, 09 Mar 2026 11:31:14 +0000 https://www.albawsala.com/?p=7284 أصدرت منظمة البوصلة تقريرها الأخير بعنوان البناء القاعدي من نبوءة الرئيس إلى سياسة دولة: حصيلة جوفاء لمسار عبثي”، والذي يتناول تحليل مسار البناء القاعدي في تونس وبنائه على أنقاض تجربة اللامركزية، مسلّطًا الضوء على جملة من الإشكاليات الجوهرية، من بينها ضبابية صلاحيات المجالس المحلية ومزاحمتها للبلديات، والتلاعب بمفهوم إرادة الشعب في سبيل إرساء مشروع اللاسياسة. كما تطرق التقرير إلى ما يُقدَّم باعتباره “مقاربات جديدة” للتنمية، مبيّنًا مدى ارتهانها لنجاح مشروع الرئيس، خاصة فيما يتعلق بعائدات الصلح الجزائي والشركات الأهلية.

ولتقديم هذا التقرير، نظّمت منظمة البوصلة ندوة وطنية سلّطت الضوء على أبرز مخرجاته، كما شكّلت فضاءً للنقاش الوطني جمع باحثين وخبراء في العلوم السياسية لمناقشة حصيلة البناء القاعدي في علاقته بالتنمية الجهوية، إلى جانب فاعلين من المجتمع المدني.

كما رافق أشغال الندوة الصديق توفيق عمران، الذي نقل بريشته أبرز الأفكار والنقاشات التي شهدتها حلقات الحوار، مقدّمًا قراءة بصرية ناقدة ومكثّفة لمداخلات المتحدّثين.ات وتفاعلات الحضور.

يمكنكم. ن الاطلاع على الرسوم التي أنجزها خلال الندوة في أسفل الصفحة.

لمتابعة النقاشات التي جرت خلال الندوة، يمكنكم مشاهدة تسجيل حلقات النقاش عبر الرابط التالي


]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/20267284/feed 0
البناء القاعدي – من نبوة الرئيس إلى سياسة دولة – حصيلة جوفاء لمسار عبثي https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20267273 https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20267273#respond Fri, 06 Feb 2026 14:59:26 +0000 https://www.albawsala.com/?p=7273 ]]> https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20267273/feed 0 In-depth Analysis of the Socio-Economic Impacts of Green Hydrogen Projects in Tunisia https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257255 https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257255#respond Thu, 25 Dec 2025 13:42:39 +0000 https://www.albawsala.com/?p=7255 الصفحة متوفرة باللغة الانجليزية.

]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257255/feed 0
حوكمة المناخ في ظل قيود التقشف وارتهان السياسات المناخية في تونس https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257220 https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257220#respond Fri, 14 Nov 2025 08:35:33 +0000 https://www.albawsala.com/?p=7220 تتناول هذه الدراسة العلاقة المركّبة بين الحوكمة العالميّة للمناخ وسياسات التقشّف في تونس، وتبين كيف يُعاد إنتاج منطق النيوليبيراليّة وعدم المساواة داخل السياسات البيئيّة التي تُقدَّم على أنّها حلول تكنوقراطيّة محايدة. ففي ظلّ هشاشة المؤسّسات العموميّة ونقص التمويل وضعف الحوكمة الديمقراطية، يتحوّل التقشّف إلى إطار سياسيّ يقيّد الطموح البيئيّ ويزيد هشاشة الفئات الاجتماعيّة ويحوّل المسؤوليّة إلى الأفراد تحت شعار “الصمود”. تكشف الدراسة كيف تتقاطع الأطر الدوليّة مثل اتفاق باريس وأسواق الكربون مع الأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة الداخليّة لتونس، منتجةً واقعًا يحدّ من القدرة على التكيّف ويعمّق التفاوتات الاجتماعيّة والبيئيّة. وتدعو إلى إعادة التفكير في العمل المناخيّ بما يضع العدالة والسيادة والحرية في صلب أيّ انتقال بيئيّ عادل.

]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257220/feed 0
L’élection présidentielle de 2024 en Tunisie : de la non-compétition au non-politique https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257127 https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257127#respond Wed, 06 Aug 2025 10:03:17 +0000 https://www.albawsala.com/?p=7113

]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257127/feed 0
استقلالية القضاء – زمن السلطوية الشعبوية – المعادلة المستحيلة https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257045 https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257045#respond Wed, 23 Jul 2025 10:16:37 +0000 https://www.albawsala.com/?p=7045 ]]> https://www.albawsala.com/ar/publications/rapports/20257045/feed 0 جورنال المواطنة عدد 1 https://www.albawsala.com/ar/publications/journal/20256996 https://www.albawsala.com/ar/publications/journal/20256996#respond Mon, 26 May 2025 09:27:55 +0000 https://www.albawsala.com/?p=6996
Loader Loading…
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab
]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/journal/20256996/feed 0
قراءة في القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم: نص هزيل لمجالس صوريّة https://www.albawsala.com/ar/publications/articles/20256958 https://www.albawsala.com/ar/publications/articles/20256958#respond Wed, 23 Apr 2025 14:21:58 +0000 https://www.albawsala.com/?p=6958 بعد أكثر من سنة من الانتخابات “المحلية”، انتظرت السلطة التنفيذية يوم 31 ديسمبر 2024 لإيداع مشروع قانون أساسي عدد 088/ 2024 يتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم لدى “مجلس نواب الشعب” من طرف رئاسة الجمهورية مع طلب استعجال النظر.  وقد أحاله مكتب المجلس إلى لجنة التشريع العام ولجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية والقوانين البرلمانية والوظيفة الانتخابية التي عقدت ست جلسات استماع بين 31 جانفي و17 فيفري لتقرر الإبقاء على مشروع القانون في الصيغة التي أوردتها جهة المبادرة (مع تعديل شكلي في الفصلين الثاني والسادس). وتقرر عقد جلسة عامة يوم الخميس 27 فيفري 2025 للنظر في مشروع القانون. تمت خلال الجلسة المصادقة على مشروع القانون في صيغته الأصلية (109 نعم، 04 احتفاظ و02 رفض) باستثناء الفصل السادس الذي عرف تعديلا طفيفا -عبر إضافة فقرة تخص تسهيل حضور التلاميذ والطلبة أعضاء المجالس- باقتراح من جهة المبادرة فيما اكتفى نواب “البرلمان” ورئيسه بتثمين هذا القانون وفلسفته المتمثلة في البناء القاعدي.

ورد القانون في صيغة مقتضبة لم تحلّ أيّا من المسائل المتعلقة بالحوكمة المحلية وإشكالية الصلاحيات بعد نسف مسار اللامركزية، حيث أحال في فصله الأول تنظيم أعمال المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وطرق سيرها إلى أمر ما يفقده أي وجاهة مؤسساتية. كما لا يزال الغموض يخيم حول البلديات التي لازالت تسير من طرف الكتاب العامين، دون تحديد موعد لانتخاب مجالسها التي لم يلغها قيس سعيد في دستوره رغم تحجيم دورها.

بعد أن قدمت منظمة البوصلة قراءتها للإشكاليات الانتخابية والقانونية التي عرفها مسار تركيز هذه المجالس المحلية1، وتهافت دورها التنموي المزعوم2، تعود هذه الورقة على أبرز ما جاء في هذا النصّ المقتضب وتسلّط النظر على السياق الذي ورد فيه، حيث تمثّل هذه المجالس أحد أركان نظام قيس سعيد القاعدي الذي جعله سياسة دولة بعد أن استكمل مسار هدم كل السلطات المضادة والمؤسسات المنبثقة عن فترة الانتقال الديمقراطي.

اللامركزية: خيار سياسي طموح أجهضته انتكاسة الديمقراطية

لا تخلو اللامركزية من بعد سياسي، فإلى جانب الصبغة الإدارية الترابية، تمثل اللامركزية “تجسيدا للديمقراطية السياسية على المستوى المحلي”3 إذ تقوم أساسا على انتخاب المواطنين لممثليهم وتفويض الصلاحيات من طرف السلطة التنفيذية للجماعات المحلية التي تمارسها وفق مبدأ التدبير الحر. لم تحد الاختيارات السياسية لتونس ما بعد الثورة عن هذا المنحى، فبالإضافة إلى تكريس باب كامل للسلطة المحلية صلب دستور 2014 (بما يبيّن الأهمية التي أولتها السلطة التأسيسية لهذا الخيار ولرد الاعتبار للجهات المهمشة في منوال التنمية منذ الدولة الوطنية)، سنّ مجلس نواب الشعب سنة 2018 مجلة الجماعات المحلية4 وتم تنظيم الانتخابات البلدية في نفس السنة. ورغم الهنات التي شابت هذا المسار فإن سلطة 25 جويلية حالت دون مراكمته للتجربة ودون تقييم حقيقي وموضوعي له، فأرست على أنقاضه مشروع “البناء القاعدي” الذي يقدمه رئيس الجمهورية كبديل وحيد وحقيقي في سبيل تأسيس “ديمقراطيته الحقيقية” وإرساء مقومات حكم محلي فعلي.

إلا أنّ التحليل يبيّن عكس ذلك، فإذا ما تناولنا اللامركزية وأسسها، يتبين لنا أن النظام القاعدي هو الأطروحة المضادّة لها، فإن كانت اللامركزية تنظيما للصلاحيات داخل السلطة التنفيذية تقوم على تفويض صلاحيات للجماعات المحلية تمارسها حسب مبدأ التدبير الحر، فإنّ البناء القاعدي يقدم نفسه كسياسة دولة تقوم على مركزة مطلقة للسلطة بيد رئيس الدولة من جهة، وتقوية الروابط القبلية والتقليدية عبر الإيغال في البعد المحلي من جهة أخرى5. وهو ما يفسّر نسف رئيس الدولة لكامل مسار اللامركزية منذ 25 جويلية 2021 عوض محاولة إصلاحه أو تعديله.

رسم 1: أهم محطات تقويض السلطة المحلية منذ 25 جويلية 2021
المصدر: البوصلة

لئن “نجت” المجالس البلدية جزئيا من اجراءات 25 جويلية 2021 التي مثلت أول حلقة من حلقات تقويض مؤسسات الانتقال الديمقراطي، فإن السلطة المحلية تم تحجيمها إلى فصل وحيد صلب دستور الرئيس لسنة 2022 الذي يمثل المرجع القانوني لإرساء “نظام البناء القاعدي” الذي جاء به الرئيس وتم على أساسه تنظيم الانتخابات المحلية في شهر ديسمبر 2023 بعد حلّ المجالس البلدية المنتخبة قبيل انتهاء عهدتها عبر المرسوم عدد 9 لسنة 2023، كما استغل رئيس الدولة سلطة مراسيمه لوضع تركيبة المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم والمجلس الوطني للجهات والأقاليم (المرسوم عدد 10) ولتنقيح القانون الانتخابي (المرسوم عدد 8) رغم أن دستور قيس سعيد نفسه يستثني المادة الانتخابية من التشريع بالمراسيم. وقد تعرضت منظمة البوصلة لهذه الانتخابات في مقالاتها السابقة حيث أدانت إجراء انتخابات يجهل المترشحون لها صلاحيات المجالس التي سيشكلونها بالإضافة إلى غياب البعد السياسي والتنافسي لها حيث عرفت 26 دائرة انتخابية بيضاء (دون مترشحين) و218 دائرة بمترشح وحيد أدت إلى انتصاره آليا6.

يمثّل حل المجالس البلدية شهرين قبل انتهاء عهدتها تتويجا لمسار كامل وإرادة واضحة لغلق قوس هذه التجربة التي لم يخف قيس سعيد معاداته لها حيث يعتبرها تهديدا لوحدة الدولة كما يتمثلها. قبل حل المجالس البلدية، عرفت الساحة السياسية، مشادات بين الرئيس والموالين له من جهة والمدافعين عن مسار اللامركزية من جهة أخرى، فعقب اجراءات 25 جويلية 2021 أصدرت الجامعة الوطنية للبلديات التونسية بيانا أدانت فيه ما اعتبرته قرارات “غير دستورية وانقلابية” لرئيس الجمهورية، بينما أصدرت مجموعة من رؤساء البلديات بيانا مشتركا طالبت فيه رئيس الجامعة بالاعتذار وسحب البيان. في جوان 2022 أصدرت الجامعة بيان استنكار لقرار والي تونس (أي ممثل السلطة المركزية) بإبطال قرارات الهدم الصادرة عن بلدية تونس واخضاع كل قرارات الهدم الصادرة عنها إلى تأشيرة الوالي قبل تنفيذها وهو ما يتجاوز التفاصيل التقنية ليمثل صراعا سياسيا بالأساس.

“تونس دولة مركزية تقوم على الولاء”

تمّ حسم هذا الصراع بالسيطرة على جامعة البلديات بطريقة مفضوحة حيث فسّر الحبيب الخليفي رئيس هيئة الاستشراف خلال الجلسة العامة التي عقدت في ديسمبر 2023 بكل وضوح كيف ‘تم اختراق القانون الأساسي الذي قدّ على المقاس” وأكد وأن الشرط الوحيد للانتماء للجامعة هو “الكفاءة والولاء وأن الديمقراطية الليبيرالية هي آخر اهتماماتنا” كما أكد “أن الدولة التونسية دولة مركزية وأعضاء الجامعة هم أدواتها حسب التوجه الجديد لوزير الداخلية وبإملاءات من رئيس الجمهورية وأنهم سيكونون حازمين مع من يخالف التوجه المركزي للدولة”7.

لم يدع تركيع الجامعة الوطنية للبلديات التونسية وخطاب المكلف بالهيئة العامة للاستشراف ومرافقة مسار اللامركزية مجالا للشك أن لا استقلالية لمؤسسات “اللامركزية” في فلسفة صاحب مشروع البناء القاعدي، وأن دور مجالسه لن يكون سياسيا أو تنمويا بل تصعيديا لا غير. وهو ما تأكد من خلال القانون عدد 4 لسنة 2025 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم.

من جهة أخرى، وبعد حل المجالس البلدية، تم تكليف الكتاب العامين بتسيير شؤون البلديات. ولم تستثنهم السلطة المركزية ورئيسها من سياسة الترهيب عبر “الإقالة كطريقة لإدارة الدولة8“. فوتيرة التعيينات والإعفاءات تتوالى بالتوازي مع نسق الزيارات “الفجئية” التي يقوم بها رئيس الجمهورية أو ممثلو السلطة المركزية للبلديات تحت غطاء محاربة الفساد وضمان نجاعة العمل البلدي. فعلى سبيل المثال، صدرت في شهر نوفمبر 2023 جملة من قرارات التعيين وإنهاء مهام كتاب عامين للبلديات بعد أن دعت نائبة في البرلمان “وزير الداخلية كمال الفقي إلى فتح تحقيق في الانتدابات والمناظرات في البلديات على كامل تراب الجمهورية، وفي ولاية بنزرت بشكل خاص9“. كما أصدرت وزارة الداخلية يوم 28 جوان 2024 بيانا نصت من خلاله على انهاء مهام المكلف بتسيير الشؤون العادية لبلدية تونس وإدارتها والمدير العام للطرقات والمناطق الخضراء والمنتزهات ببلدية تونس “على إثر زيارة السيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم الخميس 27 جوان 2024 إلى الإدارة الفرعية للمعدات والإدارة الفرعية للنظافة التابعتين لبلدية تونس العاصمة ومعاينته لعديد الإخلالات ومظاهر التقصير في مستوى الإدارتين والمعدات الموجودة بهما والتهاون في اداء الواجب من المسؤولين في البلدية10“.

ولئن كانت مكافحة الفساد والسعي لضمان نجاعة الخدمات البلدية شعارات جذابة، إلا أن إعفاء المسؤولين دون تحقيقات مستقلة تكفل حقهم في الدفاع، بالإضافة إلى توظيف إنهاء مهامهم سياسيا لتقديم صورة النظام المنقذ والنزيه من شأنه أن ينتج مسؤولين “مرتبكين، وغير قادرين على مواجهة رئيس الجمهورية بالحقائق الميدانية -بل ربّما يسعون إلى تزيينها- ومقيدين وغير مستعدين لوضع خطط واقتراح حلول من خارج الصندوق الرئاسي. وقد يتخذ مسؤولون كبار قرارات مهمة لا يؤمنون بوجاهتها ويدركون آثارها السلبية، فقَط تجنبا لغضب رئيس الجمهورية وعدم تصنيفهم في خانة “أعداء الشعب” والمتواطئين مع “الأطراف المعروفة” التي تريد تقويض “مسار 25 جويلية”11“.

يتماهى هذا الخطاب مع التوجه الترهيبي للرئيس قيس سعيد حيث لا تحيد خطاباته عن ضرورة “محاسبة المسؤولين” الذين عينهم بنفسه وهو ما يضفي طابعا مسرحيا على شعارات نجاعة العمل البلدي والتعيين حسب الكفاءة ومحاربة الفساد. فعقب زيارته لولاية ڨابس عقد رئيس الجمهورية اجتماعا مع وزير البيئة ووزير الداخلية أكد فيه أن على هذا الأخير “دعوة الكتاب العامين للبلديات للقيام بدورهم كاملا ومن لا يتحمل مسؤوليته لن يزيد ساعة بعد اخلاله بالواجبات المحمولة عليه12“، كما لم يتوان عن نقد أداء بعض الكتاب العامين لمهامهم وعدم تحملهم مسؤولياتهم مدينا التنكيل بالمواطنين لإسداء أبسط الخدمات لهم ذاكرا أنه تدخل ليدعو “أحدهم للقيام بعمله وكان من المفترض أن يقوم به لأن ذلك يدخل في إطار وظائفه13“. وإن كان الغرض من ذكر هذه الحادثة إظهار اهتمام رئيس الجمهورية بمشاغل المواطنين، فإنه يعبر سياسيا عن تصور لرئيس الجمهورية ـ القائد الذي لا يخلو أي مستوى من مستويات التنظيم الإداري من حضوره خاصة إذا ما ارتبطت هذه المؤسسات بمشروع بنائه القاعدي.

مشروع قانون المجالس المحلية: نصّ هزيل لمجالس صورية

مسار تشريعي ضعيف

بعد أن ظلّت المجالس المحلية والجهوية تعمل منذ انتخابها لأكثر من سنة دون قانون أو ميزانية أو صلاحيات أعلنت رئاسة الجمهورية في بلاغ لها يوم 23 سبتمبر 2024 أن رئيس الدولة “أسدى تعليماته بإعداد مشروع قانون في أقرب الأوقات يتعلق بمنح صفة الجماعة المحلية للمجالس المحلية والجهوية التي انبثقت عنها مجالس الأقاليم، هذا إلى جانب تخصيص منحة حضور مجزية لأعضاء هذه المجالس للقيام بوظائفهم في أحسن الظروف”. وقد طرح توقيت هذا الإعلان (أثناء الحملة الانتخابية) بعد أشهر من الغموض أكثر من تساؤل خاصة وأن ميزانية الدولة لسنة 2024 لم تخصص أي اعتمادات لهذا الغرض، كما أن مشاركة أعضاء هذه المجالس في جمع التزكيات والحملة الانتخابية للمرشح قيس سعيد يضيف تساؤلات أخرى حول الخلفية السياسية لهذا الإعلان14.

تتويجا لهذا الإعلان، وبعد أن تم العمل على مشروع قانون وعرضه على المجلس الوزاري الذي صادق عليه بتاريخ 10 أكتوبر 2024، تمّ بتاريخ 31 ديسمبر 2024 إيداع مشروع القانون الأساسي عدد 088/ 2024 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم لدى “مجلس نواب الشعب” من طرف رئاسة الجمهورية مع طلب استعجال النظر وقد صدر القانون في الرائد الرسمي بعنوان قانون أساسي عدد 4 لسنة 2025 مؤرخ في 12مارس 2025 يتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم. ويبدو حسب الأصداء الشحيحة حول مسار إعداد مشروع القانون أنها نسخة مختلفة عن مشروع القانون الذي اشتغلت عليه الإدارة والذي تم تقديمه في المجلس الوزاري بتاريخ 10 أكتوبر 2024 بما يبيّن استمرار رئيس الجمهورية في استغلال الكفاءات التقنية لإضفاء للمشروعية على سياساته ليتخلى بعد ذلك عن مقترحاتهم ويكتفي بنصوص يعدها بنفسه.

بعد إجراء الانتخابات “المحلية” لاختيار أعضاء هذه المجالس دون قانون ينظّم صلاحياتها -ما مثّل شكلا من أشكال العبث القانوني والمؤسساتي خاصة وأن تركيبة المجالس الجهوية تغيّرت منذ انتخابها بموجب القرعة الدورية 3 مرات (جوان، سبتمبر، ديسمبر) دون أي نشاط يذكر-، كان من المنتظر أن يأتي هذا القانون لينظم العلاقات بين مختلف المجالس ويضبط صلاحياتها لتفادي تنازع الاختصاص بينها وليمكنها من الانطلاق في العمل في كنف الشرعية وإن في حدّها الأدنى. إلا أن هذا القانون ورد في صيغة مقتضبة لا تعالج أيا من القضايا الحقيقية المطروحة، بل عمّق من الاشكاليات السياسية والقانونية التي يطرحها مشروع البناء القاعدي.

على مستوى اللجنة البرلمانية

بعد إحالة مكتب المجلس بتاريخ 2 جانفي 2025 مشروع القانون إلى لجنة التشريع العام ولجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية والقوانين البرلمانية والوظيفة الانتخابية، عقدت هاتان اللجنتان ست جلسات استماع بين 31 جانفي و17 فيفري لتقرر الإبقاء على مشروع القانون في الصيغة التي أوردتها جهة المبادرة مع تعديل شكلي طفيف في الفصلين الثاني والسادس (الجدول 1).

صيغة مشروع القانونصيغة اللجنة
 الفصل 2 – ترافق السلطات العمومية المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم في أداء مهامها وتوفر لها الوسائل الضرورية لذلك. الفصل 2 – ترافق السلطات العمومية المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم في أداء مهامها وتوفر لها الوسائل الضرورية لذلك، كما تسعى إلى توفير آليات ووسائل العمل المناسبة لأعضاء المجالس من ذوي الإعاقة.
الفصل 6 – على المؤجّرين أن يمكّنوا للأعوان العموميين والأجراء أعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم للحضور والمشاركة في اجتماعات المجالس ودورات التكوين….الفصل 6 – على المؤجّرين أن يرخّصوا للأعوان العموميين والأجراء أعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم للحضور والمشاركة في اجتماعات المجالس ودورات التكوين….

جدول 1: التعديلات المحدثة في اللجنة البرلمانية
المصدر: تقرير اللجنة البرلمانية-موقع المجلس

ويعكس تمرير القانون في الصيغة التي أوردتها جهة المبادرة وضعف المداولات انخراطا تاما في مشروع قيس سعيد للبناء القاعدي حيث ثمّن النواب حسب ما ورد في تقرير اللجنة البرلمانية “فلسفة البناء القاعدي [الذي] تميّز بأسبقية الوعي المواطني على إصدار النصوص القانونية، حيث أنّه يُعتبر بناء هرميا عكسيا يتمّ ضمنه إيلاء المكانة الأولى للمواطن كشربك فعلي ومواطن مراقب ومقرّر” كما يبرز التقرير “أنّ المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم تضطلع بدور أساسي في تجسيم الأحكام الدستورية ذات الصلة بالديمقراطية التشاركية والبناء القاعدي…”

في مقابل هذا الولاء ورغم الصلاحيات المنعدمة، تم إعادة التأكيد على المنحة التي أعلن عنها رئيس الدولة لأعضاء هذه المجالس في تجسيد واضح للزبائنية السياسية حيث أشار النواب أثناء اليوم الدراسي البرلماني حول مشروع القانون: ” إلى ضرورة ضبط الإطار القانوني للتفرّغ وللمفعول الرجعي لمستحقات الأعضاء المنتخبين عن المحليات ولمسألة الحصانة…15

– الجلسة العامة

ما عدى خطابات تثمين “فلسفة البناء القاعدي”، لم يكن للجلسة العامة تأثيرا يذكر على محتوى مشروع القانون باستثناء الفصل السادس الذي عرف تعديلا طفيفا عبر إضافة فقرة تخص تسهيل حضور التلاميذ والطلبة أعضاء المجالس.

صيغة مشروع القانون المعروض على الجلسة العامةالصيغة المعدلة
الفصل 6 – على المؤجّرين أن يرخصوا للأعوان العموميين والأجراء أعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم للحضور والمشاركة في اجتماعات المجالس ودورات التكوين. باستثناء حالات التأكّد، يتعيّن على عضو المجلس المعني إعلام مؤجّره بتاريخ الاجتماعات ثلاثة أيام على الأقل قبل انعقاد الجلسات أو تنظيم الدورات، وإيداع نظير من الدعوة إليها. في صورة التقيّد بأحكام الفقرة الثانية من هذا الفصل من قبل عضو المجلس المعني، لا يمكن أن يكون تغيّب الأعوان والأجراء لحضور جلسات أو دورات سببا في الطرد أو في فسخ عقد الشغل. كما لا يمكن أن ينجرّ عن الغيابات لحضور جلسات أو دورات أي إجراء تأديبي أو تعطيل ترقية مهنية أو الحرمان من الانتفاع بأيّ امتياز اجتماعي.
الفصل 6 – على المؤجّرين أن يرخصوا للأعوان العموميين والأجراء أعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم للحضور والمشاركة في اجتماعات المجالس ودورات التكوين. باستثناء حالات التأكّد، يتعيّن على عضو المجلس المعني إعلام مؤجّره بتاريخ الاجتماعات ثلاثة أيام على الأقل قبل انعقاد الجلسات أو تنظيم الدورات، وإيداع نظير من الدعوة إليها. في صورة التقيّد بأحكام الفقرة الثانية من هذا الفصل من قبل عضو المجلس المعني، لا يمكن أن يكون تغيّب الأعوان والأجراء لحضور جلسات أو دورات سببا في الطرد أو في فسخ عقد الشغل. كما لا يمكن أن ينجرّ عن الغيابات لحضور جلسات أو دورات أي إجراء تأديبي أو تعطيل ترقية مهنية أو الحرمان من الانتفاع بأيّ امتياز اجتماعي. على مديري مؤسسات التعليم والتكوين ومسيّريها أن يمكنوا التلاميذ والطلبة والمتكونين أعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم من تسهيلات للحضور والمشاركة في اجتماعات المجالس ودورات التكوين.

جدول 2: التعديلات المحدثة في الجلسة العامة
المصدر: البوصلة – معطيات موقع المجلس

وقد لخّصت صفحة مجلس نواب الشعب “المداولات” التي جرت أثناء الجلسة العامة كما يلي: «ثمّن السادة النواب المبادرة التشريعية المقدّمة باعتبارها تُعدّ تأصيلا فكريا لنظام البناء القاعدي الذي ينبني على مشاركة الشعب عبر ممثليه بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وصولا إلى المؤسسة التشريعية في صياغة القرار وتحديد الأولويات التنموية والاقتصادية، مما يجعل من هذه المبادرة ترجمة لمرحلة تاريخية هامة تمر بها البلاد تتمثل في بناء سياسي ومجتمعي جديد يقطع مع الممارسات القديمة”.

إن ضعف المداولات والمقترحات رغم النقائص الكبيرة في مشروع القانون لا يؤكد فقط غياب أي استقلالية لهذا المجلس، بل يؤشّر على اعتماد مشروع البناء القاعدي الهلامي رسميا كسياسة دولة، بعد أن أنكر الرئيس ومساندوه باستمرار هذه النية أثناء تمرير دستوره16. كما يوكّد مرة أخرى أنه لا يمكن في ظل هذا الوضع السياسي والمؤسساتي انتظار أي تأثير لهذا “البرلمان” الذي انتقل من المصادقة الآلية على قوانين السلطة التنفيذية إلى المساهمة في نسف أسس دولة القانون أثناء الانتخابات الفارطة عبر التلاعب بالقانون الانتخابي أثناء الفترة الانتخابية17.

نصّ ضعيف لمشروع طوباوي

تشتت النظام القانوني

ورد مشروع القانون في صيغة مقتضبة تقتصر على 10 فصول وكان رد ممثلي جهة المبادرة أنه يمثّل “قانونا إطاريا”18 أي أنه في حاجة لنصوص تطبيقية تمنحه قيمة تقعيدية19. وإلى جانب معارضة هذا التوجه إلى نص دستور الرئيس نفسه الذي نص في فصله 75 أن تتخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة ب “المجالس المحلّية والمجالس الجهويّة ومجالس الأقاليم والهياكل التي يمكن أن تتمتّع بصفة الجماعة المحلّية”، بما يقصيها من مجال السلطة الترتيبية أي بما يتعارض مع حجة القانون الإطاري، فإنه يضعنا أمام ظاهرة التضخم التشريعي إضافةً إلى تشتت النظام القانوني للامركزية مشوهة على مذبح البناء القاعدي.

يضع علم التشريع منهجية لسن القوانين تعتمد أولا على تقييم وجود ضرورة لسن قانون جديد من عدمها. في هذا الصدد، يقوم علم التشريع المادي على التجانس الخارجي للقانون أي تجانسه وانسجامه مع محيطه القانوني بالإضافة إلى تحديد قبلي للأهداف المرجوة من القانون المُراد سنّه. لذلك يضعنا القانون عدد 4 لسنة 2025 أمام تحدً مزدوج ومتناقض، فلا هو يسيتجيب لما تقتضيه اللامركزية في إطار دولة القانون وفي استمرارية لمؤسسات الانتقال الديمقراطي التي نسفتها سلطة 25 جويلية ولا هو يستجيب لما تنتظره مجالس البناء القاعدي من تنظيم للعلاقات بينها ومن تكريس واضح لصلاحياتها.

لم يحلّ مشروع القانون إشكالية الصّلاحيات، بل نصّ في فصله الأوّل أن “تنظم أعمال المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وطُرق سيرها بمقتضى أمر” في إحالة أخرى للنصوص الترتيبية التي سيصدرها رئيس الجمهورية وفق تصوراته الأحادية لمشروع البناء القاعدي. فولاء نواب البرلمان لهذا المشروع ولسياسات الرئيس لم تمنعه من الإصرار على التشريع بنفسه وتهميش برلمانه. فبالرغم الانخراط الواضح والصريح للنواب في مشروعه للبناء القاعدي والذي كان جليا من خلال المداولات الخاصة بمشروع القانون على مستوى اللجنة أو خلال الجلسة العامة، يواصل قيس سعيد هوسه بالتشريع عبر الأوامر والمراسيم كما دأب على ذلك في الفترة الممتدة بين 25 جويلية 2021 إلى تنصيب برلمانه في مارس 2023 والذي حدد جدول أعمال جلسته الافتتاحية بأمر20. وحتى بعد تنصيب مجلسه، استغل الرئيس العطلة البرلمانية لإصدار النص المنظم للعلاقة بين مجلس النواب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم بمرسوم في مواصلة لنفس الممارسة.

ولعل المصادقة على مشروع القانون في صيغته الأصلية (109 نعم، 04 احتفاظ و02 رفض) باستثناء الفصل السادس الذي عرف تعديلا طفيفا ـ عبر إضافة فقرة تخص تسهيل حضور التلاميذ والطلبة أعضاء المجالس ـ خير دليل على غياب البُعد السياسي للبرلمان وكونه امتدادا مؤسساتيا لساكن قرطاج. كما أن نزعة التسويف في تنظيم الصلاحيات والإحالة إلى نصوص تطبيقية يطول انتظارها لتأتي مخيبةً للآمال تدل أولا على غياب الرؤية السياسية لصاحب المشروع وتخبطه في تنزيل مشروعه واقعيا نظرا لعدم ملاءمته للإرث المؤسساتي للدولة التونسية، وتندرج ثانيا في إطار السياسات التقليدية للقائد الشعبوي الذي يعتبر نفسه تجسيدا لشعبه فلا يحتاج بالتالي لأجسام وسيطة ومؤسسات كالبرلمان ـوإن كانت خاضعة له- تقوم بدور الوسيط وتعبر عن توجهات مختلفة للمجتمع وتعكس تنوّعه.

إن سياسة المواربة والتظليل التي مكنت قيس سعيد من تنزيل مشروعه تدريجيا، أتاحت له القطع مع مسار اللامركزية كما تصوّرته مؤسسات الانتقال الديمقراطي وباعتبارها نتاج نخبة فاسدة امتثلت لإملاءات الخارج كما يكرر دائما “الرئيس المنقذ”.

هكذا، عوّض النص المقتضب الذي صاغه قيس سعيد المتكون من عشرة فصول والذي يحيل مسائل جوهرية في مجمل فصوله إلى أوامر لاحقة، نصّا بحجم وقيمة مجلة الجماعات المحلية (400 فصل) والتي عرفت مسار إعداد طويل ومضن تمّ خلاله تشريك مختلف الفاعلين السياسيين والأكاديميين، في صورة معبرة عن العبث المؤسساتي والتشتت القانوني الذي تشهده الدولة في ظل سلطة 25 جويلية.

كما يبرهن هذا النص مجددا افتقاد واضعه لرؤية شاملة للحوكمة المحلية، وللجماعات المحلية، ودورها السياسي، والتنموي. على سبيل المثال تمّ إحداث تقسيم الأقاليم الذي يكتسي أهمية اقتصادية واجتماعية كبرى بمرسوم بصفة فردية ومسقطة دون تشريك أي فاعل أكاديمي أو مدني. ولم ينصّ المرسوم على أي دور حقيقي لهذه الأقاليم باستثناء دورها الانتخابي21، وهو ما تأكّد فيما بعد باعتماد التقسيم القديم للأقاليم في الملحق عدد 11 لقانون المالية 2024 المتعلق بالتنمية الجهوية والميزات التفاضلية للجهات الاقتصادية. أما في الملحق 11 لقانون المالية لسنة 2025 فقد تمّ حذف كامل الجزء المتعلق بالميزات التفاضلية للأقاليم عوض اعتماد التقسيم الجديد ما يؤكّد أن هذه “المؤسسات” لا دور لها في التخطيط للتنمية عكس ما تدعيه السلطة.

الاستقلالية الإدارية والمالية

لئن نص الفصل الأول من القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 على تمتع المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية إلا أنه لم يكرس ضمانات هذه الاستقلالية، بل أمعن في تكريس تبعيتها للسلطة المركزية. إذ أن التنصيص في الفصل السابع على أن يكون مقر المعتمدية مقرا للمجلس المحلي وأن يكون مقر الولاية مقرا للمجلس الجهوي ولمجلس الإقليم يضع هذه المجالس في وضعية تبعية للسلط اللامحورية (التي تمثل السلطة المركزية في مجالاتها) بما يتعارض مع جوهر اللامركزية والاستقلالية. كما أن هذا التنصيص يتغاضى عن الإشكاليات اللوجستية التي لا تخلو من بعد سياسي والتي تعرضت لها بعض المجالس المحلية عقب انتخابها. إذ أظهرت بعض المؤسسات الجهوية اللامحورية مقاومة للتعاون مع المجالس المحلية ومن ذلك رفض معتمد الزهور (ولاية الڨصرين) تمكين أعضاء المجلس المحلي من مفاتيح المكتب المخصص للمجلس وورفض الوالي مقابلتهم22. ليكون بذلك التنصيص الوارد بالفصل 7 ضربا من ضروب التعنت السياسي الذي يرفض الاعتراف بفشل هذا الاجراء.

بالإضافة إلى ما سبق وفي تواصل مع مسار نسف اللامركزية، يمثل هذا القانون تراجعا إضافيا ومعلنا عن استقلالية الجماعات المحلية خاصة استقلاليتها المالية حيث ألغى أحكام مجلة الجماعات المحلية (2018) المتعارضة معه وأعاد العمل بقانون 1975 فيما يتعلق بميزانية المجلس المحلي والمجلس الجهوي ومجلس الإقليم عوض إصدار نص جديد يتعلق بميزانية هذه المجالس خاصة وأن قانون 1975 لا يتعرّض للمجالس المحلية ومجالس الأقاليم. يعني هذا الخيار عمليا غياب أي استقلالية مالية ولإدارية والعودة لنظام مالي وإداري تهيمن عليه السلطة المركزية فوزير الداخلية هو الذي يصادق على ميزانيات المجالس الجهوية (الفصل 17 من القانون الأساسي عدد 35 لسنة 1975) و”سلطة الإشراف” هي التي تتولى مناقشة مشروع الميزانية وإقرارها في ظرف 15 يوما في صورة عدم تقديم صيغة معدلة من رئيس الجماعة المحلية (الفصل 18 من نفس القانون)23.

كما يمثّل هذا النص ردّة حتى على القانون عدد 11 لسنة 1989 المتعلق بالمجالس الجهوية على علّاته، إذ نصّ على إحالة جميع “الممتلكات والمكاسب والمساهمات والاعتمادات المرصودة للمجلس الجهوي على معنى القانون الأساسي عدد 11 لسنة 1989 إلى الدولة ووضعها على ذمة الوالي”. يجسّد هذا الخيار، بإحالة ممتلكات المجالس الجهوية (1989) إلى الإدارة اللامحورية ممثلة في الوالي عوض المجالس الجهوية المنتخبة، -إذا أضفنا إليه عدم تنصيص القانون عدد 4-2025 على أملاك أو موارد ذاتية لهذه المجالس- رغبة معلنة من “المشرّع” في إعادة مركزة الدولة والتخلي عن اللامركزية ولو في حدها الأدنى.

ولم يخفَ التناقض بين هذه الأحكام ومبدأ الاستقلالية المالية حتى على بعض أعضاء “مجلس نواب الشعب” (سواء صلب اللجنة أو في الجلسة العامة) الذين أثاروا هذا الإشكال أمام جهة المبادرة التي تظهر إجاباتها تصوّرا هجينا للسلطة المحلية وللاستقلالية المالية. من جهة أولى، أشار ممثلو جهة المبادرة أنه سيتم “ترسيم ميزانياتها ضمن النفقات المخصصة للجماعات المحلية صُلب مهمة وزارة الداخلية24“، وهو ما لا تظهره الأرقام الواردة في تقارير وزارة المالية حول قوانين المالية للسنوات الثلاث الأخيرة. إذ تظهر الأرقام المتعلقة بصندوق دعم اللامركزية والتسوية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلية أن الاعتمادات المخصصة لدعم الجماعات المحلية قدرت ب863ـ م د سنة 252023 لتشهد ارتفاعا طفيفا سنة 2024 حيث بلغت 26869 م د لتتراجع إلى 27858 م د سنة 282025. بما لا يدع مجالا للشك في غياب أي نوايا حقيقية لدى سلطة رئيس الجمهورية لإرساء لامركزية حقيقية وإن كان مسارا قُدّ على مقاسها. من ناحية أخرى، أشار ممثلو جهة المبادرة أن هذه المجالس ستكون لها ميزانيات مستقلة غير أنها لن تتمتع بالموارد الذاتية وهو ما يمثل تراجعا عما جاءت به مجلة الجماعات المحلية من استقلالية للجماعات المحلية وتعزيزا لتبعيتها للسلطة المركزية.

ورغم بعض التساؤلات حول المساس بمبدأ الاستقلالية الادارية والمالية للجماعات المحلية، لم يتوان نواب الشعب عن المصادقة على الفصول المتعلقة بها دون أي مراجعة تُذكَر وهو ما يؤكد صورية المداولات وتماهيها مع مشروع الرئيس دون ممارسة الدور السياسي الذي تلعبه البرلمانات.

وفي مقابل نسف الاستقلالية المالية للمجالس، لم يخلُ هذا القانون من تكريس لمبدئ الولاء السياسي والمكافأة للمنخرطين في مشروع الرئيس السياسي. إذ تبدو بصمة رئيس الجمهورية واضحة على فصوله عبر التنصيص على تخصيص منحة لأعضاء هذه المجالس -التي أعلن عنها أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية- دون تحديد مقدارها أو كيفية تمويلها في ظلّ اعتماد السلطة لخيارات تقشفية مسّت مرافق حيوية تحت شعار “التعويل على الذات”، قبل أن يصدر يوم 4 أفريل 2025 الأمر عدد 178 يتعلّق بضبط مقدار منحة التمثيل المخوّلة لأعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وشروط إسنادها. وقد تم تحديد منحة تمثيل شهرية بقيمة 200 دينار عن كل جلسة بسقف شهري لا يتجاوز 800 دينار بينما يتمتع الأعضاء من ذوي الإعاقة بمنحة تمثيل شهرية قدرها 300 دينار عن كل جلسة وبسقف شهري لا يتجاوز ألف ومائتي 1200 دينار. وإن بدا هذا الاختلاف في مقدار المنح كتمييز إيجابي لصالح الأعضاء في وضعية إعاقة، فإنه يمس من مبدأ المساواة في الأجر. فالتمييز الإيجابي يكون بضمان بيئة عمل ملائمة (كتسهيل الوصول والولوج لمقر العمل) لا بإسداء منحة أكثر قيمة مقابل “اسداء نفس العمل”. ولعل المقارنة مع أعضاء المجالس المحلية المنتخبة (2018ـ2023) تؤكد نهج المكافأة الذي تتبعه السلطة حيث كان أعضاء هذه المجالس ـ باستثناء رئيس المجلس ـ متطوعين رغم الصلاحيات الهامة المناطة بعهدتهم بينما سيتمتع أعضاء مجالس البناء القاعدي بمنحة رغم دورهم شبه الاستشاري.

الصلاحيات التنموية المزعومة

ورد في الفصل الأول لمشروع القانون أن هذه المجالس “تعمل على تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي الشامل والعادل وتتداول في مشاريع ومخططات التنمية المحلية والجهوية والإقليمية في إطار وحدة الدولة” في صيغة مبهمة وعامة تقتصر على التنصيص على الدور التداولي دون تحديد الأثر القانوني لمخرجات هذه المداولات، كما ألغى الفصل العاشر المهام التنفيذية للجهة والاقليم ما يفتح مجالا للشك حول الدور الفعلي لهذه المجالس فالقانون لم ينص صراحة على كونه دورا استشاريا بما يفقده الدقة التي تقتضيها النصوص القانونية. يدعو هذا الخيار للاستغراب حيث لا مثيل له على المستوى الدولي وحتى تاريخيا على المستوى الوطني، إذ من غير المعقول أن يكون دور جماعات محلية منتخبة مبهما وشبه استشاري فإن الغاء الصلاحيات التنفيذية وإن كانت محدودة يزيد من حدة العبث القانوني ويفقد القاعدة القانونية وجاهتها المؤسساتية.

كما سبق وأشرنا في ورقاتنا السابقة، لم يتم تخصيص لا ميزانية ولا إدارة لهذه المجالس حيث اكتفى مشروع القانون في فصله الثاني بالتنصيص على أن السلطات العمومية “ترافق المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم في أداء مهامها وتوفر لها الوسائل الضرورية لذلك” دون تحديد شكل هذه المرافقة وآلياتها (اعتمادات، تحويلات..) وهو ما يؤكّد على افتقاد هذا النص ـ كسابقيه – للدقة.

كما لم يحلّ مشروع القانون إشكالية الصّلاحيات، فإن نص على أن هذه “المجالس تتداول في مخططات التنمية المحلية والإقليمية والجهوية” (الفصل الأول) فإنّ المساهمة في مخطط التنمية كممثل للجماعات المحلية لا يمكن أن يمثّل دورا جديدا يبرّر تنصيب مجالس منتخبة بهذا العدد، فتمثيل المحليّات في إعداد مخططات التنمية على المستوى الجهوي متاح عبر المنهجية المعتمدة حاليا من وزارة الاقتصاد والتخطيط والتي تشرّك كذلك الأطراف الاجتماعية والمجتمع المدني.29

كما أن “القول بأن المجالس المحلية لها صلاحيات تنموية فيه افتراض أن البلديات لا دور تنموي لها (تدور تصريحات هيئة الانتخابات حول اضطلاعها بمهام وصفتها بالتقليدية من نظافة وتنوير…)”30 في حين أن هذا القول مجانب للصواب حيث ينص عدد من فصول مجلة الجماعات المحلية على هذا الدور التنموي مثل الفصل 238 والفصل 105 الذي يضيف إلى ذلك واجب اتباع منهج تشاركي لا ينص عليه قانون الرئيس.

ويتأكد غياب تصور حقيقي لدور هذه المجالس من خلال الأعمال التحضيرية للقانون عدد 4 لسنة 2025 حيث جاء في التقرير المتعلق بمناقشته أن الهدف الأساسي من “عمل المجالس المذكورة يتمثل في تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي وذلك بدمج مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع وتمكينها من إعداد التصورات والمقترحات والتداول بشأنها على أن ينطلق ذلك من المجلس المحلي ويمر إلى المجلس الجهوي ثم إلى مجلس الإقليم ويتم التأليف بين مختلف التصورات والمقترحات لينتهي المسار بعرضها على المجلس الوطني للجهات والأقاليم الذي يقرر ما يراه بشأنها من خلال المصادقة على المخطط التنموي”، فالعبارات الموظفة خالية من أي بعد عملي ودقيق كما أن “الدور التأليفي” فاقد للمعنى قانونيا وسياسيا ولا وجود لمثيل له في التجارب المقارنة يسمح بفهمه وتحديده بدقة.

وفي إطار سن النصوص التطبيقية لهذا القانون، تم اصدار الأمر عدد 177 لسنة 2025 مؤرخ في 4 أفريل 2025 يتعلق بتنظيم أعمال المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وطرق سيرها، الذي نص مرة أخرى على الدور التداولي والتأليفي للمجالس (الفصل 5) دون إضافة تذكر. وأكد في فصله السابع غياب أي قرار يتبع هذا “التداول”: “تحيل مجالس الأقاليم تثاريرها التأليفية إلى الوزارة المكلفة بالتخطيط لاعتمادها في بلورة مشروع مخطط التنمية” في تناقض مع ما جاء في شرح أسباب مشروع القانون الذي أوكل “سلطة القرار للمجلس الوطني للجهات والأقاليم”، وفي الحالتين، لا تملك هذه المؤسسات أي صبغة تقريرية ما يفقدها صفة الجماعات المحلية، حيث ورد في شرح الأسباب المرافق لمشروع القانون بكل وضوح أن دور هذه المجالس “يقتصر على التداول”.

بذلك حافظ القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 والأمر عدد 177 لسنة 2025 على التباس الصلاحيات وضبابية الآليات القانونية لتحقيق التنمية دون أدوار واضحة ومتكاملة بين المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم فيما بينها من جهة والسلطة المركزية من جهة أخرى.

خاتمة: العودة لما قبل 2011 أو لامركزية الخدمات دون سياسة

في مقابل الإفراط الخطابي حول المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم، صارت المجالس البلدية مغيّبة من المشهد السياسي والمؤسساتي التونسي. فالحديث عنها صار هامشيا عاكسا للتخبط السياسي فيما يخص الشأن المحلي. يتمظهر هذا التهميش من خلال غياب تصور حقيقي لدور البلديات في إطار مشروع “البناء القاعدي” يمنحها دورا سياسيا وتنمويا على المستوى المحلي مثلما هو الحال في دستور 2014 ومجلة الجماعات المحلية التي جاءت تنزيلا لأحكامه.

فرئيس الجمهورية لم يلغ المجالس البلدية كليا من المشهد المؤسساتي التونسي، وهو ما يفترضه الفصل الأول من المرسوم 9 لسنة 2023 الذي نص أن “يتمّ حلّ جميع المجالس البلدية إلى حين انتخاب مجالس بلدية جديدة ” والمرسوم 8 الذي غير طريقة انتخاب وتركيبة المجالس البلدية، وهو ما يسمح بافتراض وجود انتخابات بلدية سيتم تنظيمها دون تحديد موعد محدد لها. كما أشرنا، يضعنا هذا البناء المؤسساتي الهجين أمام مشهد يحتوي على فاعلين في نفس المجال: فاعل له وجود تاريخي وملموس (مقرات وميزانية وقدرة تنفيذية) وهو البلديات وفاعل مستحدث له وجود قانوني وانتخابي دون أي عنصر مما سبق (المجالس المحلية). أمام عدم فاعلية المجالس المحلية وتجسيدا لعداء الرئيس المعلن للبلديات، صارت تُحمّل هذه الأخيرة مسؤولية تدهور الخدمات على المستوى المحلي بعد كل زيارة “فجئية”.

يجسّد هذا الخطاب الرئاسي، تصوّرا ماضويا لهذه المجالس يحيي “رؤية تستنقص من دور البلدية باعتبارها جهازا غير سياسي أنشأته السلطة المركزية لإعانتها على التكفل ببعض الخدمات الأساسية لفائدة متساكني البلدية بعيدا عن فكرة الاستقلالية عن السلطة المركزية أو فكرة السلطة المحلية31“. ويتمظهر هذا التصور الاستنقاصي للمجالس البلدية من خلال خطابات رئيس الجمهورية حيث أن لقاءه بتاريخ 10 مارس 2025 مع وزير الداخلية ووزير البيئة مثلا يبيّن الارتباط الذي يقيمه بين مشكل التلوث ورفع القمامة من جهة والبلديات من جهة أخرى وهو ما يذكّرنا بالدور الذي كانت تلعبه البلديات قبل الثورة التونسية. وجاء هذا اللقاء إثر زيارة رئيس الجمهورية إلى مدينة ڨابس التي تشكو من مشاكل بيئية عميقة منذ عقود وذكر فيه رئيس الجمهورية أنه “تم اثر الزيارة رفع أكثر من 1000 طن (من القمامة) في يوم واحد، معنى ذلك أنه يمكن للوضع البيئي أن يكون في أفضل الحالات… عليكم السيد وزير الداخلية بدعوة الكتاب العامين للبلديات للقيام بدورهم كاملا…”. وعلاوة على تعبير هذا الموقف عن فهم سطحي للمشاكل البيئية التي تعاني منها ولاية ڨابس وغيرها فإنه يؤكد اعتبار البلديات المسؤول الوحيد عن “رفع القمامة” أي عن الخدمات الخالية من البعد السياسي وهو ما يمكن اعتباره من بين الأسباب التي نزعت عن الاستحقاق الانتخابي البلدي أهميته.

يتمظهر فقدان الانتخابات البلدية لأهميتها بالنسبة للفاعلين المنخرطين في المسار الأحادي لرئيس الجمهورية من خلال تقديم ‬عدد ‬من ‬رؤساء ‬المجالس ‬المحلية ‬يوم 16 جانفي 2025 ‬لدى ‬مجلس ‬نواب الشعب ‬والمجلس ‬الوطني ‬للجهات ‬والأقاليم” ‬طلبا ‬يتعلّق ‬بتأجيل ‬الانتخابات ‬البلدية من خلال مبادرة تدعو إلى تكوين نيابات خصوصية تضم منتخبين عن المجالس المحلية الحالية إلى جانب إطارات جهوية من ذوي الكفاءة والخبرة في إدارة الشأن المحلي”. وبرر أصحاب هذه المبادرة موقفهم باكتسابهم “خبرة عملية تؤهلهم لتسيير البلديات بكفاءة خاصة”32 ، إن هذا الاقتراح على غرابته يمثل دليلا إضافيا على انخراط ‬أعضاء ‬المجالس” ‬المحلية” في مشروع يجهلون ملامحه حيث قدموا ترشحاتهم وتم انتخابهم دون قانون منظم لصلاحياتهم بما يكشف التخبط المؤسساتي الذي تشهده الدولة على المستوى المحلي بعد تنزيل مشروع “البناء القاعدي” والانخراط الولائي صلبه.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

من جهة أخرى لم يعلن رئيس الجمهورية عن أي نوايا لتنظيم انتخابات بلدية سنة 2025 ما أدى بهيئة الانتخابات مرة أخرى لمحاولة سد هذا الفراغ التواصلي والسياسي والقانوني حيث صرح فاروق بوعسكر رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ” أن الهيئة تنظم وتشرف على كل الانتخابات، ولكنها لا تقرر موعدها ولا يمكنها الانطلاق في تنظيم أي استحقاق دون صدور أمر دعوة الناخبين، موضحا في هذا الصدد أن المواعيد الانتخابية الدورية يحددها الدستور ولكن الانتخابات التي تجرى لأول مرة يجب أن يكون هناك قرار سياسي بخصوص تنظيمها، باعتبار أن الانتخابات البلدية ستنتظم لأول مرة وفقا لدستور 2022″33. دون أن ننسى أن تنظيم الانتخابات لا تمثل فقط عملية معقدة تتطلب جاهزية مؤسساتية ولوجستية، بل هي موعد سياسي لا بد أن يكون تاريخه معلوم لكل الفاعلين ضمانا لتكافئ الفرص، لا أن ترتهن كما كان الحال عند الانتخابات الرئاسية لمدى النفع السياسي الذي يمكن أن يتحقق لساكن قرطاج ومشروعه.

ولا يمكن لهذه العوامل سوى تعميق الضبابية والفوضى المؤسساتية التي خلقها مشروع رئيس الدولة باسم “الديمقراطية حقيقية” وتمكين المواطن في المحليات من تبليغ صوته على المستوى الوطني عبر تقنية التصعيد التي تتعارض جوهريا مع مبادئ الديمقراطية. فمن خلال آلية التصعيد يختصر البناء القاعدي إمكانية التمثيل الوطني بالمرور حتما بالمستوى المحلّي أين يتمّ الانتخاب المباشر الوحيد. بإقصائه عمليا للأحزاب، يمنع البناء القاعدي تكوّن برامج ورؤى وطنية متنافسة ما يزيد من إضعاف النقاش السياسي وحصره في مسائل معيشية محلية ضيقة وهو ما يختلف جذريا عن المجتمعات الديمقراطية أين يمثّل المستوى المحلي فضاء تتدرب فيه القيادات السياسية قبل أن تتجاوزه لمستويات تمثيلية أكبر34.

ختاما، لا يشذ القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم عن نهج الرئيس قيس سعيّد القائم على تفكيك لمؤسسات الدولة وخاصة مؤسسات الانتقال الديمقراطي دون تقديم بديل قانوني ومؤسساتي جدّي. تأخذ شعبوية رئيس الجمهورية شكلا قانونيا يقوم على طمس الإرث التاريخي والمؤسساتي بهدف “التأسيس الجديد” من خلال سن قوانين خالية من العقلانية ومن المراكمة على السياسات العمومية السابقة. فيما يتعلق بحوكمة الشأن المحلي بالخصوص، لاحظنا تكرر الاكتفاء بوضع نصوص لا تعالج جميع المسائل التي يفترض أن تدخل في نطاق القانون ما يؤدي إلى مظاهر ارتجال وتخبط، كالتكهن والتخمينات حول موعد انتخابات أو المطالبة بوضع رؤساء المجالس المحلية على رأس البلديات.

إن منهجية رئيس الجمهورية تتسم بالعبث من جهة وبالارتجال من جهة أخرى. عبث نسف كل أسس دولة القانون منذ انقلاب 25 جويلية وإخماد أصوات السلط المضادة المؤسساتية والمعارضة السياسية مع خطاب تحريض وتخوين متصل. وارتجال تنزيل مشروع طوباوي منبتّ مؤسساتيا عن الدولة التونسية وعن واقع المجتمع وحيويته، ويعيد إحياء انتماءات أهلانية حاولت تونس منذ الدولة الوطنية تفاديها لصالح روابط مدنية بين المواطنين والدولة. هكذا لا يمكن الحديث عن مجالس البناء القاعدي في إطار خطي لتطور الجماعات المحلية بتونس منذ 1959، فهذا التمشي يقفز على الواقع والتاريخ ويحصر هذه المسألة السياسية والتنموية المهمة في بعد قانوني ضيّق واختزالي.

للإطلاع على ورقات البوصلة التحليلية:

المراجع:

  1. منظمة البوصلة (مارس 2023): قراءة أولية في مراسيم 8 مارس 2023: قتل المواطنة باسم البناء القاعدي ↩︎
  2. منظمة البوصلة (سبتمبر 2024): المجالس “المحلية” وسراب التنمية ↩︎
  3. البكوش (ن.)، اللامركزية من أجل الديمقراطية: قانون الجماعات المحلية، تونس، 2022، صفحة 29. ↩︎
  4. قانون أساسي عدد 29 لسنة 2018 مؤرخ في 9 ماي 2018 يتعلق بمجلة الجماعات المحلية ↩︎
  5. منظمة البوصلة (جانفي 2024): تقرير حصيلة تجربة اللامركزية في تونس: مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي، ص129 ↩︎
  6. منظمة البوصلة (2024): الانتخابات “المحلية” أو مشروع الرئيس الأصلي: مسار لا سياسي وغموض قانوني أدى إلى مقاطعة واسعة ↩︎
  7. الجلسة العامة العادية الحادية عشر للجامعة الوطنية للبلديات التونسية، فيديو بصفحة الجامعة على الفايسبوك ↩︎
  8. عبد المولى (ر.)، الإقالات والإعفاءات في تونس: كرَاسٍ في مهَب الرّيح، المفكرة القانونية، 2024. ↩︎
  9. موقع الترا صوت (23 نوفمبر 2023): وزارة الداخلية تنهي مهام كتاب عامين لبعض البلديات التونسية ↩︎
  10. صفحة وزارة الداخلية على الفايسبوك – بلاغ يوم 28 جوان 2024 ↩︎
  11. عبد المولى (ر.)، المفكرة القانونية، 4202، تم ذكره. ↩︎
  12. لقاء رئيس الجمهورية مع وزير الداخلية ووزير البيئة بتاريخ 10 مارس 2025. ↩︎
  13. اجتماع المجلس القومي، 20 مارس 2025. ↩︎
  14. على سبيل المثال: أعضاء المجالس المحلية بالسواسي، باجة الشمالية، المجلس الجهوي بسيدي بوزيد حسب منشوراتهم على الفايسبوك ↩︎
  15. تقرير اللجنة البرلمانية، الصفحة 23 (موقع المجلس) ↩︎
  16. المفكرة القانونية-مهدي العش (5 جويلية 2022): مشروع دستور سعيّد: الرئاسويّة دُفعة واحدة، البناء القاعدي بالتقسيط ↩︎
  17. المفكرة القانونية-منال الدربالي (28 سبتمبر 2024): تنقيح القانون الانتخابي: عن “اغتيال الديمقراطية” في الزمن الانتخابي ↩︎
  18. تقرير اللجنة البرلمانية: موقع المجلس ↩︎
  19. Valeur normative ↩︎
  20. منظمة البوصلة (3 جويلية 2023): ثلاثة أشهر منذ تنصيب مجلس نواب قيس سعيد: غياب للشفافية وحصيلة تشريعية هزيلة ↩︎
  21. منظمة البوصلة (13 أكتوبر 2023): تقسيم الأقاليم: اختزال انتخابي ضيق لتحديات تنموية عميقة ↩︎
  22. بيان المجلس المحلي بالزهور ـ القصرين بتاريخ 04/06/2024 ↩︎
  23. قراءة في القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المؤرّخ في 12 مارس 2025 والمتعلّق بالمجالس المحليّة والمجالس الجهويّة ومجالس الأقاليم، المنظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية، 18 أفريل 2025 ↩︎
  24. التقرير المشترك للجنة التشريع العام ولجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية والقوانين البرلمانية والوظيفة الانتخابية. ↩︎
  25. تقرير حول ميزانية الدولة لسنة 2023، وزارة المالية، ملحق عدد1، صفحة 59. ↩︎
  26. تقرير حول مشروع ميزانية الدولة لسنة 2024، وزارة المالية، صفحة 75. ↩︎
  27. تقرير لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب ولجنة المالية والميزانية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم حول مشروع ميزانية الدولــة ومشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2025، صفحة 6. ↩︎
  28. نفقات التدخل دون الدعم المتعلقة بصندوق دعم اللامركزية والتسوية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلية. المصدر السابق ↩︎
  29. Taghouti, I., Elloumi, M., Hinojosa, L. & Napoléone, C. (2020). Planification nationale en Tunisie : Une analyse diachronique. Maghreb – Machrek, 246-247, 25-42 ↩︎
  30. منظمة البوصلة (2024): المجالس المحلية وسراب التنمية ↩︎
  31. البكوش (ن.)، اللامركزية من أجل الديمقراطية: قانون الجماعات المحلية، تونس، 2022، صفحة 224. ↩︎
  32. الصباح نيوز (18 جانفي 2025): قدموا مبادرة لتولي مهمة النيابات الخصوصية.. رؤساء مجالس محلية يقترحون تأجيل الانتخابات البلدية ↩︎
  33. موقع التلفزة الوطنية (21 نوفمبر 2024) ↩︎
  34. منظمة البوصلة (2023): تقرير حصيلة تجربة اللامركزية، تم ذكره ↩︎

]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/articles/20256958/feed 0
المجالس “المحلية” وسراب التنمية https://www.albawsala.com/ar/publications/articles/20246650 https://www.albawsala.com/ar/publications/articles/20246650#respond Fri, 06 Sep 2024 09:51:15 +0000 https://www.albawsala.com/?p=6650 مقدمة

تمّ يوم 1 جوان 2024 إجراء عملية القرعة الدورية لتجديد تركيبة المجالس الجهوية ورئاسة المجالس المحلية والجهوية وبذلك أكمل 279 عضو مجلس جهوي فترة عضويتهم المحدّدة بثلاثة أشهر وعادوا لمجالسهم “المحلية” دون أي قانون ينظّم صلاحيات هذه المجالس وعلاقتها مع باقي الهياكل اللامحورية واللامركزية. ومن المتوقع إجراء القرعة الموالية يوم 1 سبتمبر ليمرّ نصف عام منذ تنصيب هذه المجالس دون نص قانوني قد يمكّنها من لعب أي دور مفترض.

وتمثّل هذه القرعة إحدى الإجراءات المترتبة عن مراسيم 8 مارس 2023 التي حلّ بموجبها الرئيس قيس سعيد المجالس البلدية المنتخبة شهرين أو ثلاثة قبل انتهاء عهدتها وثلاثة أيام قبل انعقاد الجلسة الافتتاحية لبرلمانه، والتي وضع من خلالها تركيبة المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم والمجلس الوطني للجهات والأقاليم التي تمثّل جوهر مشروع “بنائه القاعدي”1.

إلى حدّ كتابة هذه السطور، اكتفى الرئيس قيس سعيد واضع هذه الهندسة التي لا دور لها باستثناء تحقيق مشروعه الشخصي بالقول في أحد المناسبات النادرة التي أجاب فيها على سؤال صحفي “أنه يجب استنباط القوانين المنظمة لها2” كما هو الحال بالنسبة للنص المنظم للعلاقة بين غرفتي برلمانه. وقد حرصت هيئة الانتخابات على التأكيد أن المجالس المحلية لها دور تنموي دون أن تقدر على تبيان طبيعة هذا الدور التنموي المفترض زيادة على أن تحديد اختصاصات المؤسسات هي من دور المشرّع لا الهيئة.

بعد أن قدمت منظمة البوصلة قراءتها للإشكاليات الانتخابية والقانونية التي عرفها مسار تركيز هذه المجالس المحلية3، تهدف هذه الورقة إلى إبراز المغالطات المتعلقة بالدور “التنموي” المزعوم لهذه المجالس التي إضافة لافتقادها للتمثيلية الكافية ولانتخابها بعد مسار لا قانوني فردي، تفتقد لإمكانية لعب أي دور تنموي حقيقي عكس الشعارات التي ترفعها السلطة ومناصروها.

عناصر نظرية وتاريخية للحوكمة الجهوية في تونس4

في مفهوم الجهة

بعد أن مثل ظهور الدولة القومية وتثبيتها أولويّة القرون الثلاثة الماضية، استأثرت الجهة بالاهتمام بداية من القرن العشرين وتعتبر مسألة معقدة وحساسة. يمكن اعتبارها معقدة من الناحية المفهومية لشموليتها وارتباطها بعديد الأبعاد (ديمغرافية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية…) ما يعسّر مهمة التفكّر فيها وإنفاذها. كما تعتبر حساسة لكونها مسألة سياسية بالأساس قبل أن تكون اقتصادية أو إدارية تتعلق بتقسيم ترابي مجالي فحسب وهو ما يتبيّن بوضوح في الحالة التونسية (انظر الجزء الأول من هذا التقرير).

من الناحية المفهومية، تهمّنا الجهة في نطاق عملنا كبناء اجتماعي-مجالي يعرّف كوحدة جغرافية دون وطنية تتميّز بفردانية من حيث عناصرها (الطبيعة/التاريخ) أو كبناء سياسي. في كل الحالات تعتبر الجهة بناء ماضيا (جغرافي تاريخي)، حاضرا (اقتصادي سياسي) أو في طور التشكّل في نطاق مشروع تنموي إرادوي لتنظيم المجال5

عند غياب الجهة، يتمّ إحداثها من قبل السلطة المركزية كوسيلة لإدارة السلطة مجاليا وإعادة التوزيع الاقتصادي والاجتماعي. في هذه الحالة يتم التفكير في المسألة الجهوية على المستوى الوطني مع التركيز على توزيع الأنشطة الاقتصادية أو كمحاولة لمواجهة الضغط الناجم عن أزمات جهوية وهو ما كان مطروحا في تونس في السنوات الأخيرة. يمكن القول إن اللامركزية هي التجسيد المؤسساتي لمفهوم الجهة أو الأقلمة وتكمن أهميتها في الفرصة الذهبية التي أتاحتها للبلاد لإعادة التفكير في تنظيمها للمجال.

إن المؤشرات التي تخصّ الأقلمة كانت تشير إلى أنها ممكنة، بل ضرورية. تعتبر عملية بهذا الحجم صعبة التطبيق نظرا للموارد التي تتطلبها ولرهاناتها الكثيرة ويشير المختصون إلى أنها لا تكون ممكنة إلا إذا كان البلد المعني في طور انتقالي وهو ما ميّز تونس منذ الثمانينات: (متوسط الدخل للفرد، التوسع الحضري بنسبة 69 %، ارتفاع نسبة التمدرس ونسبة الشهادات العليا، ارتفاع العمالة الصناعية).

سياسة مجالية غير فعالة وتعميق الهوّة المجالية

تاريخيا، كان يشق تونس اختلال بين الشمال والجنوب لأسباب طبيعية وتاريخية ويظهر هذا التباين بين الشمال الرطب والجنوب القاحل بوضوح في التقرير الاقتصادي للاتحاد العام التونسي للشغل في 1956 وفي وثيقة الآفاق العشرية للتنمية (1961). بعد الاستقلال، تمظهر تميّز النشاط الاقتصادي العصري ببروز محور ساحلي متكون من مدن مثل صفاقس، سوسة وقابس عبر الاستثمار العمومي أولا ثم الخاص فيما بعد (المرحلة الأولى من سياسات التنمية: 1960-1971). استمر هذا الشريط الساحلي في التطوّر رغم المحاولات المحتشمة لإعادة التوازن منذ الستينات وخاصة في السبعينات مع التوجه نحو الصناعات التصديرية (قانون 1972 والمرحلة الثانية من سياسات التنمية6). وحتى خلال المرحلة الثالثة من التنمية 1986 بداية من الثمانينات والتسعينات خاصة تحت تأثير برنامج الإصلاح الهيكلي 1986 تمّ كذلك تعزيز دور السواحل بإحداث المناطق الحرة ببنزرت وجرجيس، ميناء قابس وجرجيس وتطوير المنطقة السياحية بالحمامات. حيث اعتمدت الدولة على سياسة ليبرالية تهدف إلى تطوير نسيج اقتصادي أكثر اندماجا في السوق العالمية مع إعطاء الأولوية للتصدير في إطار اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والحدّ التدريجي لتدخل الدولة في الدورة الاقتصادية.

أبقت الدولة التونسية بعد الاستقلال على ثنائية المراقبة والتحكم في علاقتها بالجهات الداخلية ولم تول اهتماما حقيقيا لتنظيم المجال إلا بداية من سنة 1979 عندما أدخلت مجلة التخطيط العمراني مفهوم “المخططات التوجيهية العمرانية” إلا أنها لم تورد العلاقة بين التهيئة الترابية والعمرانية من جهة والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى7 وتجلى هذا الخيار أيضا في قانون التهيئة الترابية سنة 1994 الذي استثنى صراحة الأهداف الاقتصادية والاجتماعية من التهيئة الترابية.

يمكن القول إن سياسة الدولة لتنظيم المجال أو للتنمية الجهوية لم تكن تنموية فعلا نظرا لأنها اقتصرت في أهدافها على التنمية الحضرية والعمرانية في محاولة للتحكم في نسق نمو وهجرة السكان في حين أهملت البعدين الاقتصادي والاجتماعي. هذا إلى جانب الإبقاء على الطابع المركزي لكل السياسات وهو ما نلاحظه في المخططات التوجيهية العمرانية (1979) والمثال التوجيهي للتهيئة الترابية الوطنية (1996)8 كما أنها فصلت منهجيا بين المؤسسات المكلفة بإنجاز التصورات وبين وظيفة إنجاز التصورات ما قلّص من فاعلية المخططات ومدى تطبيقها على أرض الواقع9.

من ناحية أخرى يشير المختصون إلى أن التقسيم المعتمد في مخططات التنمية لم يكن يخضع لأي مرتكزات علميّة، بل كان مجرّد تقسيم منهجي شكلي لإنجاز هذه المخططات أو لهيكلة الإدارات والمصالح الجهوية والقيام بالإحصائيات الرسمية. كما أن الأقاليم المعتمدة من قبل الدولة في مختلف مصالحها التقنية (بنية تحتية، تقسيم الإدارات الجهوية للوزارات والشركات العمومية، الوكالات العمومية) لم تكن متطابقة أو حتى متناسقة، فمدينة القصرين مثلا تتبع الكاف، قفصة، القيروان أو صفاقس حسب الحالة. 

على المستوى الاقتصادي، اتبعت الدولة سياسة تشجيع القطاع الخاص حتى يكون قاطرة للتنمية المحلية عبر تحفيزات جبائية ومالية كبرى والتي تراوحت تكلفتها حسب دراسة للبنك العالمي10 بين 354 و1155 مليون دينار بين 2002 و2011 وهي مستويات هائلة بلغت على سبيل المثال في سنة 2008 نسبة 3% من الناتج الداخلي الخام.

إلا أن هذه السياسة أظهرت فشلها في دفع التنمية في الجهات الداخلية، على سبيل المثال، لم تتجاوز حصّة الجهات الداخلية من الاستثمارات الصناعية أثناء الفترة الممتدة بين 1994 و2011 نسبة 17% في حين تركز الجزء الأساسي منها (84%) في الشريط الساحلي الشرقي على المحور الممتد من بنزرت إلى صفاقس، دون أن تسجّل أي جهة تأثيرا إيجابيا على الولايات المحيطة بها باستثناء العاصمة تونس نسبيا11. وهو ما يؤكّد ما أثبتته الدراسات12 التي بينت عدم نجاعة سياسة التحفيزات لتحقيق التنمية الجهوية وأنّ الحدّ من اللامساواة بين الجهات يمرّ أساسا عبر تطوير البنية التحتية المادية والاجتماعية أي على الانفاق العمومي للدولة كقاطرة للتنمية.

هكذا تسبّبت سياسة التنمية المُعتمدة مُنذ الاستقلال، في مزيد تعميق التفاوت الجهوي بين المناطق وتهميش الجهات الداخلية لصالح بعض المُدن الساحلية نتيجة سياسات قاصرة وغير عادلة قامت على منطق جهوي بحت وجدت بعض التبريرات الاقتصادوية في خطاب الانفتاح القائم على شعارات التصدير للأسواق الأوربية والسياحة كسبيل وحيد للتنمية. فيما اقتصر دور الجهات الداخلية على توفير المواد المنجمية والفلاحية والمائية للدولة في شكل شُبّه بالاستعمار الداخلي13 وهو ما غذّى الشُعور بالإقصاء والتهميش لدى سكان المناطق الداخليّة ودفعهم إلى رفض السياسات المُعتمدة والثورة عليها.

اللامركزية والأقلمة كضرورة تنموية ومطلب شعبي

إن الأقلمة هي خيار سياسي يهمّ تقاسم السلطات والديمقراطية وحوكمة المجال والموارد التي يتمّ تحويلها للجهات كفاعل اقتصادي وسياسي فتمثل بذلك الأرضيّة التي يتم استخدامها للبنية التحتية والمشاريع الوطنية14. تسمح الأقلمة بتحقيق التناغم في سياسات التنمية بين الجهات والتراب الوطني كما تعبّر الجهة عن إرادة الجماعات المحلية وتسمح بلامركزية القرار والموارد ما يعزز قيمة المواطنة والمشاركة السياسية. ويمكن لمشروع لامركزي حقيقي أن يعيد النظر في الشبكات الحضرية للبلاد حيث باستثناء العاصمة تونس وعلاقتها بالمدن المجاورة لم تبلغ مدن كبرى أخرى كصفاقس وسوسة مرتبة المدينة الجهوية المتكاملة بما يقتضيه ذلك من ارتباط وخدمات جهوية للأفراد والفاعلين الاقتصاديين دون الحديث عن باقي المدن التونسية.

هكذا تمكّن الأقلمة من تحقيق التنمية المحلية في معناها الأشمل وهو البناء المشترك بين المؤسسة (أيا كان شكلها وطبيعة نشاطها) ومجالها الترابي اللامحروي (الولاية، المعتمدية والعمادة) واللامركزي (البلديات، الجهات والأقاليم) أين يوفر المجال الترابي للمؤسسة الأرض والموارد الطبيعية والبنية التحتية وقوى الإنتاج وفي المقابل تقدم المؤسسة للمجال الترابي الثروة من منتجات وخدمات وشغل وباقي الخدمات المتعلقة بمسؤوليتها الاجتماعية والبيئية15.

على المستوى القانوني تمثّل اللامركزية تنظيما للصلاحيات داخل السلطة التنفيذية يقوم على تفويض صلاحيات للجماعات المحلية تمارسها حسب مبدأ التدبير الحرّ. على المستوى الجغرافي، تمثل اللامركزية تجسيد مؤسساتيا وديمقراطيا للأقلمة16 وتعتبر أحد أوجه الاستجابة لهذه الضرورة الاقتصادية والتنموية. وقد أكّد المختصون على أن غياب الجهات كجماعات محلية تتمتع بالصفة القانونية في تاريخ تونس منذ الاستقلال كان عائقا أمام التنمية ما جعلهم يثمنون التنصيص عليها في الباب السابع من الدستور (2014). 

مثّلت مطالب الثورة التونسية فرصة حقيقيّة للتوجّه نحو وضع أولى مُحاولات الأقلمة (régionalisation) التي تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بعد التحوّل الذي شهدته الإرادة السياسية والرأي العام التي أقرّ بوضوح بفشل المنوال التنموي السابق خاصة في علاقة بالتنمية المحلية. فقابل هذا التحول تطوّر الإطار القانوني والسياسي في اتجاه تفعيل مطالب الثورة وتقليص اللامساواة بين الجهات17

كانت أولى تمظهرات هذا التحوّل إقرار الدولة التونسية في قانون العدالة الانتقالية (الفصل العاشر من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013) في فصله العاشر أنّ “الضحية هي كلّ من لحقه الضرر سواء كان فرداً أو جماعة أو شخصاً معنوياً” نصّ على أنّ “هذا التعريف يشمل كل منطقة تعرضت للتهميش والاقصاء الممنهج”. قبل أن يتأكّد هذا التوجّه في مضمون دستور 2014 الذي أقرّ التمييز الايجابي لبعض الجهات الداخلية بناء على ما عانته وتعانيه من تهميش وفقر وبطالة، حيث نصّ على “أنّ الدولة تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة […]، اعتمادا على مبدأ التمييز الإيجابي” إضافة إلى اعتماد اللامركزية وتخصيص باب كامل للسلطة المحلية (الباب السابع). 


كان دستور 2014 إذن إطارا للإعلان عن خيار الدولة في التوجّه نحو حكم محليّ لا مركزي تُعطى من خلاله سلطة أوسع للمحليات في الإعداد والتخطيط لمشاريع التنمية بشكل تشاركي حيثُ منحها بابه السابع مبدأيْ التدبير الحرّ في إدارتها للمصالح المحليّة واستقلاليتها الإدارية والماليّة عن السلطة المركزيّة.

على مستوى السياسات التنموية المعتمدة بعد الثورة، تمّ خلال فترة 2011-2015 اعتماد قاعدة 30-70 لتوزيع الاعتمادات المخصصة للبرامج الجهوية بين المناطق الساحلية والداخلية إضافة إلى المخطط التنموي 2016-2020 تطبيقا لمبدأ التمييز الإيجابي. إلا أن هدف التوازن بين الجهات لم يتحقق مثلما يظهره مؤشر التنمية الجهوية الذي انخفض معدله الوطني من 0,502 سنة 2015 إلى 0,462 سنة 2021. من ناحية أخرى لا تزال نسب هذا المؤشر تسجّل تفاوتا كبيرا بين الولايات الساحلية والداخلية، ورغم أن المخطط الوطني للتنمية 2016-2020 حدّد هدف تقليصه ب30% فلم يتمّ تحقيق سوى نسبة 3% 18. ويظهر المؤشر ضعف الاستثمار الخاص مقارنة بالاستثمار العمومي في الجهات الداخلية التي لم تنجح في تحقيق الجاذبية الاقتصادية والسكنية إذ تركّزت قرابة 64% من الاستثمارات الجملية الخاصة خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2023 بـ8 ولايات ساحلية (المنستير ونابـل وتونـس وبـن عـروس وسوسـة وصفاقـس وبـنزرت والمهدية).

مؤشر التنمية الجهوية201520182021
المعدل الوطني0,5020,4840,462
أعلى مؤشر0,6280,5930,578
أدنى مؤشر0,4020,3890,359
الفارق بين أعلى وأدنى مؤشر23%20%22%
جدول: تطور مؤشر التنمية الجهوية (2015،2018، 2021)
المصدر: الملحق عدد 11 لميزانية 2024 – وزارة المالية

أي مكانة للتنمية المحلية في سياسات سلطة 25 جويلية؟

أمام هذا الواقع، يفترض المنطق السليم أن تستكمل الدولة تفعيل الخطة الوطنية للتنمية والتي تحتوي على محور كامل يخصّ التنمية الجهوية في الوثيقة التوجيهية العشرية تونس 203519 والتي تنعكس في مخطط التنمية 2023-2025 20 أين نجد من بين الأهداف الوطنية استكمال دعم مسار اللامركزية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. إلا أن سلطة 25 جويلية أثبتت أكثر من مرة أن هوس “التأسيس” و”دخول التاريخ” يجعلها لا تعترف باستمرارية الدولة فاختارت نسف مسار اللامركزية واستغلال المراسيم لتنزيل مشروع البناء القاعدي المبهم كما خيّرت وضع الشركات الأهلية التي أخصّتها بكتابة دولة ونقلت إليها جميع الإمكانيات والإدارات التي كانت مكلفة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني داخل وزارة الاقتصاد والتخطيط عوض استكمال النصوص الترتيبية لهذا القانون المهمّ.

حتى يتسنى لنا تقديم قراءة للوضع التنموي، من الضروري التطرق لوضع المؤسسات -التاريخية- المتدخلة في الشأن المحلي وأهمّها البلديات قبل المرور للمؤسسات المُحدثة بسلطة المراسيم.

تقويض السلطة المحلية وحلّ المجالس البلدية المنتخبة

غداة 25 جويلية 2021، كانت البلديات السلطة الوحيدة المنتخبة مباشرة من قبل الشعب والتي لم تلحقها قرارات تجميد أو إعفاء أو “ترؤّس” من رئيس الجمهورية قيس سعيّد. حيث لم تتعدَّ تدابيره في شانها، تعطيل العمل لمدّة يومين. وهو ما جعلها تتخبط من حيث قراءتها للمشهد السياسي ولم تستقرئ بالوجه المطلوب تبعات هذا التاريخ على مستقبلها ومستقبل المسار اللامركزي عموما.

فلئن بقيت البلديات موجودة الى حين حلّها من قبل سعيّد في مارس 2023، فإنّ نسف السلطة المحلية قد انطلق فعليا منذ جويلية 2021. حيث لم يخف الرئيس امتعاضه من أداء البلديات ولم يتردد في توجيه أصابع الاتهام إلى المنتخبين المحليين في تعطيل حلحلة أزمة النفايات خاصة في صفاقس. ليقوم لاحقا بحذف وزارة الشؤون المحلية من حكومة نجلاء بودن وإدخال اخر سلطة منتخبة في البلاد بيت الطاعة عبر إلحاق ملف الجماعات المحلية بوزارة الداخلية. تواصلت المؤشرات السلبية في علاقة بالسلطة المحليّة لتتوج بالاستفتاء على دستور 2022. دستور ممنوح من الرئيس، نسف بجرّة قلم ودون أي تداول أو نقاش حول خياراته، السلطة المحلية وما تبقى من مكاسب الانتقال الديمقراطي. كان نسف السلطة المحليّة كذلك تدريجيا، حيث انطلق بتاريخ 25 جويلية 2021، لينتهي يوم 8 مارس 2023 من خلال مرسوم حلّ المجالس البلدية وتعهيد الكتاب العامّين بمهمة تسيير البلديات، تحت إشراف الولاّة21. كما تمّ بنفس التاريخ إصدار مرسومين آخرين وضعا تركيبة المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم والمجلس الوطني للجهات والأقاليم (المرسوم عدد 10) ولتنقيح القانون الانتخابي (المرسوم عدد 8) واستغل بذلك قيس سعيد آخر أيام “القترة الاستثنائية” والتشريع بالمراسيم لوضع التجسيد التشريعي لبناءه القاعدي بعد أشهر من المواربة والتضليل. وقد نبهت منظمة البوصلة إلى الإشكاليات القانونية والسياسية المتضمنة بمراسيم 8 مارس22 والتي يمكن تلخيصها في غياب الصلاحيات وآليات التحكيم بين هذه المجالس وشروط الترشّح الإقصائية والماراثون الانتخابي المنتظر بسبب العدد الكبير للدوائر الانتخابية واعتماد القرعة كل 3 أشهر على امتداد مدة عمل المجالس.

إن حل المجالس البلدية المنتخبة بحجة فشلها أو انتخابها على أساس المال السياسي الفاسد يكشف استصغارا للتونسيين.ات حيث لا يعتبر قيس سعيد أصواتهم المدلاة خلال الانتخابات البلدية تعبيرا عن الإرادة الشعبية في حين أنها تمت تحت إشراف نفس هيئة الانتخابات التي نظمت الانتخابات الرئاسية التي فاز بها ورغم أن نسبة المشاركة فيها تقارب ثلاثة أضعاف المشاركين في الانتخابات “المحلية” التي أجراها. ويجسّد هذا الخطاب بشكل واضح “الحدود المتحركة” لمفهوم الشعب23 لدى القائد الشعبوي الذي يعتبر نفسه الممثّل الحصري له مهما كانت النسبة الانتخابية لهذا التمثيل السياسي (في الحالة التونسية من 600 ألف صوت في الدور الأول للانتخابات الرئاسية إلى ال10% من المصوّتين في انتخاباته التشريعية مرورا ب2,6 مليون صوت في الاستفتاء دون أي تمييز او تحليل).

انتخابات المجالس المحلية: تنزيل “نبوّة” البناء القاعدي

بعد إصدار مراسيم 8 مارس 2023، مرت أشهر عديدة تكتّمت فيها السلطة على تاريخ الانتخابات “المحلية” -ما دفع هيئة الانتخابات إلى محاولات الاستباق والتخمين-، ولم يقع خلالها تلافي الإشكاليات القانونية المتعلقة بصلاحيات واختصاصات هذه المجالس حيث اكتفى قيس سعيد باستكمال الخطوات الشكلية لانعقاد هذه الانتخابات وهي استكمال تركيبة هيئة الانتخابات التي عرفت استقالات أفقدتها النصاب القانوني اللازم لاتخاذ قرارتها، وإصدار أمر تقسيم الأقاليم24 قبل أن يصدر أمر دعوة الناخبين للمشاركة في الانتخابات المحلية يوم 24 ديسمبر 2023. وبهذا شهدنا حملة انتخابية لمترشحين يجهلون صلاحيات المجالس الذين سيشكلونها.

كما كان متوقعا، ورغم كل الخطوات المتخذة من هيئة الانتخابات كالعدد المهول من الإرساليات القصيرة للمواطنين.ات والتي بلغت حدّ الهرسلة أو التسجيل الآلي للناخبين والتمديد في أوقات عمل مكاتب الاقتراع مقارنة بانتخابات ما قبل 25 جويلية 2021، سجّلت الانتخابات نسبة مشاركة هزيلة استقرّت حسب أرقام الهيئة في حدود 11,66% وكانت أولى ردود الفعل لممثّليها تبريرية عدائية. رغم أن دور الهيئة يقتصر قانونيا على حسن تنظيم العملية الانتخابية، كانت تصريحات فاروق بوعسكر أشبه بالردّ على من تساءل حول مدى صحّة النسبة التي أعلنت عليها هو ما يمكن تفهّمه نظرا لغياب أي اهتمام من المواطنين والرأي العام بهذه الانتخابات، حيث لم يكن هناك أي مؤشر في الشارع التونسي على وجود انتخابات أصلا ما عدى ما كانت تبثه التلفزة الوطنية25.

الحوكمة المحلية في ظلّ مؤسسات 25 جويلية: بناء مؤسساتي هجين وهشّ

قبل أن يتم القضاء على مسار اللامركزية، كانت بعض أوجه النقد لهذه التجربة تتمثّل في ضعف التشاركية في بعض محطاته وفي التركيز على الجوانب القانونية والمؤسساتية مع إهمال الجانب التنموي والاقتصادي. يفترض إذن على أي تغيير يتمّ إدخاله على الحوكمة المحلية أن يعمل على تلافي هذه النقائص، إلا أنّ مشروع البناء القاعدي كان التجسيد الحقيقي لغياب التشاركية وغياب أي رؤية اقتصادية حقيقية للتنمية الجهوية. على سبيل المثال، عند إصدار الأمر المتعلق بتقسيم الأقاليم، تم إحداث هذا التقسيم الذي يكتسي أهمية كبرى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بصفة فردية ومسقطة دون تشريك أي فاعل أكاديمي أو مدني. وقد أشرنا إلى غياب أي دور حقيقي لهذه الأقاليم باستثناء دورها الانتخابي، وهو ما أكده فيما بعد عدم اعتماد التقسيم الجديد في الملحق عدد 2611 لقانون المالية المتعلق بالتنمية الجهوية والميزات التفاضلية للجهات الاقتصادية. هكذا، عوض أن يكون اعتماد تقسيم للأقاليم بشكل رسمي فرصة لوضع أسس الجهات الاقتصادية بطريقة ديمقراطية وتشاركية وذات مشروعية عالية، تم إفراغه من محتواه والاقتصار على الدور الانتخابي “التصعيدي” في برنامج قيس سعيد الفردي.

نفس التقييم ينطبق على المجالس المحلية التي يتضح لنا بعد تنصيبها، أن دورها لا يتعدّى البعد الانتخابي الشكلي إذ لا صلاحيات فعلية ولا موارد لها. وحتى إن افترضنا أنّ هذه المجالس المحلية والجهوية قد تلعب دورا معينا في اقتراح مشاريع تنموية، فإن ممثلي السلطة المركزية فيها -رغم أنهم أعضاء لا يصوتون- هم من يملكون المعلومة والخبرة بدواليب الدولة الإدارية والمالية ما يجعلهم يسيطرون فعليا على هذه المجالس. وينحصر بالتالي دور المجالس المحلية في “تصعيد” ممثّلين لمجلس نيابي دون صلاحيات أمام رئيس بصلاحيات مطلقة.

يضعنا هذا البناء المؤسساتي الهجين أمام مشهد يحتوي على فاعلين في نفس المجال: فاعل له وجود تاريخي وملموس (مقرات وميزانية وقدرة تنفيذية ومجلّة تعطيه نظريا الاختصاص الأصلي في الشأن المحلي) وهو البلديات وفاعل مستحدث له وجود قانوني وانتخابي دون أي عنصر مما سبق (المجالس المحلية)، إذا أضفنا البعد السياسي الرمزي الذي يعطي للمجالس “المحلية” دورا أساسيا في خطاب ومشروع الرئيس مقابل عداءه المعلن للبلديات، نستنتج أن هذه الوضعية ستفضي دون شك إلى تنازع صلاحيات في المستقبل.

إنّ القول بأن المجالس المحلية لها صلاحيات تنموية فيه افتراض أن البلديات لا دور تنموي لها (تدور تصريحات هيئة الانتخابات حول اضطلاعها بمهام وصفتها بالتقليدية من نظافة وتنوير…) في حين أن هذا غير صحيح بالنظر إلى فصول مجلة الجماعات المحلية: “المجلس البلدي مكلف باتخاذ التدابير اللازمة لدفع التنمية البلدية واستقطاب الاستثمار…” فصل 238، ولمكانة مخطط التنمية في دور الجماعات المحلية إذ ينص الفصل 105: ـ” يعتبر مخطط التنمية المحلية الذي يتم إعداده وفقا لمنهج تشاركي وبدعم من مصالح الدولة إطارا مرجعيا لضبط برنامج وتدخلات الجماعات المحلية والهياكل التابعة لها في المجال التنموي الشامل” والفصل 106: “يصادق مجلس الجماعة المحلية على مخططات التنمية المحلية.. ويأخذ بعين الاعتبار: – مقتضيات التنمية المستدامة، – تحفيز الشباب لبعث المشاريع، – المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين…”27.

هذا المخطط الذي يتمّ اعتماد المقاربة التشاركية لوضعه ورغم نقائصه (ضعف الميزانية المخصصة للتنمية أو للميزانية التشاركية مثلا) هو آلية فعلية لتخطيط وتنفيذ مشاريع عكس ما يمكن انتظاره من مجالس محلية يتوقف دورها عند اقتراح مشاريع دون أي قدرة مالية على تنفيذها. وهو ما تؤكّده قيمة الاعتمادات المرصودة لدعم الجماعات المحلية في ميزانية الدولة لسنة 2024، حيث يؤشّر استقرار حجم التحويلات الموجهة لدعم الجماعات المحلية (869 م د 2024 مقابل 863 م د سنة 2023) على غياب أي ميزانية إضافية ستخصّص للمجالس المحلية خلال سنة 2024 وهو ما أكّد قراءتنا منذ إصدار المرسوم المتعلق بإحداث الأقاليم والذي نصّ على أن اجتماعات المجالس المحدثة ستكون في مقرات الولايات والمعتديات أي أنه لن لكون لها مقرات خاصة وإدارة أو حتى أرشيف28. من ناحية أخرى، إذا اعتمدنا فرضية الاشتراك في المجال التنموي فإن هذا يستوجب توزيعا للاختصاصات وآليات لفض التنازع وهو ما لا يحلّه قانون 1994 المتعلق بالمجالس المحلية للتنمية29 الذي يخص مؤسسات لامحورية استشارية ويهتمّ بمخطط التنمية لا بالعمل التنموي. لا بد من التأكيد في هذا المستوى إلى أنّ العمل التنموي لا يقتصر على مخططات التنمية فهو أشمل من ذلك كما تظهره الصلاحيات التنموية المسندة للبلديات في مجلة الجماعات المحلية دون أن ننسى أهمية الانسجام مع دور الجهات والأقاليم المنصوص عليه في دستور 2014 ومكانة منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي أسّس الفصل 109 من مجلة الجماعات المحلية للشراكة بينها وبين الجماعات المحلية: “تلتزم الدولة بدعم مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ومشاريع التنمية المستدامة ومشاريع إدماج المرأة فعليا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بواسطة عقود تبرم للغرض مع الجماعة المحلية المعنيّة”.

وبالنظر لكل هذه النقاط، نستنتج أن المساهمة في مخطط التنمية كممثل للجماعات المحلية لا يمكن أن يمثّل دورا جديدا يبرّر تنصيب مجالس منتخبة بهذا العدد، فتمثيل المحليّات في إعداد مخططات التنمية على المستوى الجهوي متاح عبر المنهجية المعتمدة حاليا من وزارة الاقتصاد والتخطيط30 والتي تشرّك كذلك الأطراف الاجتماعية والمجتمع المدني31.

عمليا، كانت نتيجة تنصيب هذه المجالس باعتبار كل ما سبق متوقعة، حيث نجد مجالس وجودها شبه افتراضي ما دفع بعض أعضاء المجالس المحلية في تصريحات إعلامية بمناسبة إجراء القرعة الأولى للمطالبة بتوضيح صفتهم وتمكينهم من الدخول لمؤسسات الدولة التي رفضتهم حسب أقوالهم32. وقد برز عدم تحمّس المؤسسات الجهوية اللامحورية للتعاون مع هذه المجالس على سبيل المثال من خلال احتجاج أعضاء المجلس المحلي بالزهور (القصرين) على رفض معتمد الزهور تمكينهم أعضاء المجلس المحلي من مفاتيح المكتب المخصص للمجلس ورفض الوالي مقابلتهم33.

إلى حدّ هذه اللحظة، تكتفي هذه المجالس بمحاولة لعب دور احتجاجي “تدعو” فيه من خلال بياناتها المؤسسات المعنية للتدخّل ما يجعلها في وضعية أقرب لجمعيات تشكّل حزاما أهليا34 لمشروع الرئيس35 منها لجماعات محلية منتخبة تمارس صلاحيات واضحة.

ميزانية 2024 والتنمية الجهوية: حين تسقط الشعارات الرنانة أمام امتحان الممارسة

مثّلت المصادقة على ميزانية 2024 مناسبة أخرى للوقوف على التناقضات بين الخطاب الرسمي السيادوي والممارسة السياسية الفعلية فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام وبالحوكمة المحلية على وجه الخصوص. حيث أمام الأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد من ضعف نسبة النموّ وتعطّل محركاته، يواصل العقل المحاسباتي المتمثل في التركيز الحصري على بلوغ توازنات الميزانية السيطرة على ذهنية أصحاب القرار وإن كان على حساب الاستثمار والانفاق العمومي36. لا يمثل الاستثمار العمومي سوى 6,7% من الميزانية وهي نسبة في تراجع مستمر منذ سنوات، وقد كانت تبلغ هذه النسبة 20% في آخر ميزانية قبل الثورة. على مستوى التنمية الجهوية بالإضافة لاستقرار الاعتمادات الموجهة للجماعات المحلية، عديد الملاحظات يمكن تقديمها حول ميزانية 202437 يتلخص بعضها في:

  • محدودية الاعتمادات المحالة للمجالس الجهوية في نفقات التنمية بميزانية الدولة.
  • ضعف الموارد الجبائية للجماعات المحلية وتفاقم مديونيتها38 وانحسار الاستثمارات البلدية في مستوى 273 م د مبرمجة لسنة 2024 مقابل 261 م د سنة 2023.
  • ضعف واستقرار ميزانية وزارة الاقتصاد والتخطيط في علاقة بالتنمية القطاعية والجهوية (677,585 م د) مقابل (668,228 م د) في 2023 وبالخصوص في علاقة بالبرنامج الجهوي للتنمية الذي سجل استقرارا لمستوى الاعتمادات المرصودة لتحسين ظروف العيش ودعم موارد الرزق في حدود 300 م د سنة 2024 مقابل 329 م د سنة 2023.

دون أن ننسى العوائق الهيكلية غير المرتبطة مباشرة بقانون المالية (منها ما هو قانوني، ترتيبي، عقاري…) والتي تحول دون تحقيق التنمية الاقتصادية في الجهات، والتي تفتقد السلطة الحالية لأي رؤية لمواجهتها.

خاتمة: لا تنمية محلية دون ديمقراطية

إن تحليل الحوكمة المحلية وتطوراتها يجعلنا ننبه من جديد إلى أنّ السياسات العمومية الناجعة لا تحتمل الاعتباطية التي عرفها تسيير الشأن المحلي كحلّ للمجالس البلدية المنتخبة وإدخال فاعلين جدد كالمجالس المحلية دون أي ملائمة قانونية ومؤسساتية. على مستوى أشمل، يظهر عدم تناسق السياسات العامة للدولة في مخالفة الخطة التنموية الوطنية (مخطط التنمية 2023-2025 ووثيقة تونس 392035) التي تنصّ على استكمال دعم مسار اللامركزية40 وملائمة النصوص القانونية مع مقتضيات مجلة الجماعات المحلية ودعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في حين نزّلت سلطة 25 جويلية “البناء القاعدي” على أنقاض اللامركزية والشركات الأهلية على حساب الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وأمام الفشل المتوقع لهذه السياسات، وعوض الوقوف أمام المتغيرات القانونية، الاقتصادية والاجتماعية الواجب اعتبارها، تستمر السلطة القائمة في منهج التبرير والمؤامراتية عبر اتهام اللوبيات والمتآمرين وحتى الإدارة بالوقوف وراء تعطيل “حرب التحرير الوطني”.

ختاما، يتفق المختصون والمتابعون لمسألة الحوكمة الجهوية أن اللامركزية كانت فرصة ضائعة لتحقيق البعدين الأساسيين للثورة التونسية: الحق في الاعتراف والمشاركة السياسية للجهات والحق في التنمية المحلية والحد من اللامساواة بين الجهات. بعد نسف هذه التجربة الطموحة في المهد إلى جانب باقي مؤسسات التجربة الديمقراطية، لا يقدم “مسار 25 جويلية” سوى “البناء القاعدي” كبديل لها، ويتبيّن لنا من خلال تحليل تمظهراته القانونية والعملية أنه يحمل تصوّرا مثاليا لمسألة التنمية حيث يحصرها في البعد المحلي الضّيق في حين أن التحدّيات وطنية بالأساس (ملفات أساسية كالمياه، الطاقة، السياسة الجبائية…)، وهو على نقيض التخطيط لأنّه لا يمكّن من التأسيس لرؤية وطنية تشاركية. أما العنصر الأهم فيتمثل في وهم التنمية في ظل الاستبداد، فكما كان تركيز ديمقراطية سياسية مع إهمال التنمية الاقتصادية أحد العوامل التي أدت إلى إجهاض التجربة الديمقراطية، فإن أي رؤية للتنمية المحلية لا تولي اهتماما للديمقراطية أو تحاول مقايضة الحرية مقابل التنمية مصيرها الفشل.


  1. منظمة البوصلة (مارس 2023): قراءة أولية في مراسيم 8 مارس 2023: قتل المواطنة باسم البناء القاعدي ↩︎
  2. زيارة الرئيس قيس سعيد للمنستير بمناسبة ذكرى وفاة الرئيس الحبيب بورقيبة ↩︎
  3. (ورقة المراسيم)، ↩︎
  4. منظمة البوصلة (2023): حصيلة تجربة اللامركزية في تونس: مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي، مؤطر نظري 1: اللامركزية كفرصة لتحقيق التنمية الجهوية– ص24 ↩︎
  5. Amor Belhedi: « La pertinence de la région en période de transition démocratique en Tunisie », dans  « La question des régions en Géographie ». Perspectives Internationales, 2019, L’Harmattan, Coll. Colloques et Rencontres. Lamarre J et Mukakayumba E (Dir), pp.141-162. ↩︎
  6. Baccar Gherib : « Acquis et limites d’une économie nationale » dans 60 ans de République, Leaders (2016) ↩︎
  7. Najem Dhaher (2010) :« L’aménagement du territoire tunisien : 50 ans de politiques à l’épreuve de la mondialisation », EchoGéo 13 | 2010. ↩︎
  8. صغير الصالحي: الاستعمار الداخلي و التنمية غير المتكافئة في تونس، 2017 ↩︎
  9. أوكلت وظيفة التصور خطأ إلى وزارات تقنية وقطاعية مثل السياحة و التجهير و الفلاحة و البيئة. المصدر نفسه ص 323. ↩︎
  10. ECOPA (2012) cité dans Observatoire Tunisien de l’Economie (2014) : Bilan des incitations aux investissements en Tunisie ↩︎
  11. Tizaoui, Hamadi. (2015). La métropolisation de l’industrie tunisienne et le décrochage industriel des régions intérieures. Méditerranée. ↩︎
  12. Banque mondiale (2014) la révolution inachevée et Ghazouani, K (2011) : « Les incitations à l’investissement pour le développement régional en Tunisie: Une évaluation », Région et Developpement, 2010, vol. 31, 169-200 ↩︎
  13. الصالحي (2019) تم ذكره ↩︎
  14. Belhedi, Amor. (2016). Aménagement du territoire et régionalisation en Tunisie. Enjeux et défis. Global-Local Forum ↩︎
  15. لطفي بن عيسى (6 مارس 2024): مداخلة بندوة المرصد التونسي للاقتصاد: “مالية عمومية في خدمة التنمية المحلية: اي خيارات مستقبلية من اجل تكريس الحق في التنمية” ↩︎
  16. يذكر أن الأقلمة هي ترجمة للمصطلح الجغرافي régionalisation ولا تخصّ الأقاليم فحسب ↩︎
  17. منظمة البوصلة (أكتوبر 2023): تقسيم الأقاليم: اختزال انتخابي ضيق لتحديات تنموية عميقة ↩︎
  18. وزارة التخطيط المخطط التنموي 2023-2025: جانفي 2023 ↩︎
  19. المحور السادس تونس 2035 ↩︎
  20. وزارة التخطيط المخطط التنموي 2023-2025: جانفي 2023 ↩︎
  21. منظمة البوصلة (ديسمبر 2023): حصيلة تجربة اللامركزية في تونس: مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي. الجزء الثالث ↩︎
  22. منظمة البوصلة (مارس 2023): قراءة أولية في مراسيم 8 مارس 2023: قتل المواطنة باسم البناء القاعدي ↩︎
  23. Grossman, E. (2018). Populisme et gouvernabilité dans la perspective des élections européennes. Revue de l’OFCE, 158, 463-474.  ↩︎
  24. منظمة البوصلة (أكتوبر 2023): تقسيم الأقاليم اختزال انتخابي ضيق لتحديات تنموية عميقة ↩︎
  25. ياسين النابلي-المفكرة القانونية (23 ديسمبر 2023): انتخابات المجالس المحليّة في تونس: لماذا أصبحَت اللاّحَدَث؟ ↩︎
  26. المرصد التونسي للاقتصاد (منشور بتاريخ 5 مارس 2024): “ماذا يكشف لنا الملحق عدد 11 حول مؤشرات التنمية الجهوية وواقع الاستثمار في الجهات؟” ↩︎
  27. عبد الرزاق مختار (16 ديسمبر 2023): مداخلة بندوة مخبر الحوكمة بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس ↩︎
  28. منظمة البوصلة (أكتوبر 2023): تقسيم الأقاليم: اختزال انتخابي ضيق لتحديات تنموية عميقة ↩︎
  29. منظمة البوصلة: الانتخابات “المحلية” أو مشروع الرئيس الأصلي: مسار لا سياسي وغموض قانوني أدى إلى مقاطعة واسعة ↩︎
  30. وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي (2019): منهجية التخطيط بتونس: الإطار العام والمسار ↩︎
  31. Taghouti, I., Elloumi, M., Hinojosa, L. & Napoléone, C. (2020). Planification nationale en Tunisie : Une analyse diachronique. Maghreb – Machrek, 246-247, 25-42. ↩︎
  32. التلفزة الوطنية تقرير بتاريخ 1 جوان 2024: إجراء قرعة التناوب على المجالس الجهوية والتداول على رئاسة المجالس الجهوية والمحلية ↩︎
  33. بيان المجلس المحلي بالزهور-القصرين بتاريخ 04/06/2024 ↩︎
  34. لا مدنيا ↩︎
  35. ياسين النابلي- المفكرة القانونية (03/02/2022): “الأهلانية” المَخفيّة في فكر قيس سعيد: أنا وابن عمي ضدّ الأحزاب والجمعيات ↩︎
  36. منظمة البوصلة (2024): عودة على مسار ميزانيّة 2024: التّمادي في نهج التّقشّف والمديونيّة رغم الشعارات السيادوية ↩︎
  37. لطفي بن عيسى (6 مارس 2024)، تم ذكره ↩︎
  38. حول مديونية البلديات، انظر تقرير البوصلة حول تقييم مسار اللامركزية ص93 ↩︎
  39. المحور السادس من رؤية تونس 2035 ↩︎
  40. وزارة الاقتصاد والتخطيط المخطط التنموي 2023-2025 ↩︎
]]>
https://www.albawsala.com/ar/publications/articles/20246650/feed 0