مقدمة
في سياق تواصل تأزم السياق الاقتصادي والاجتماعي وتدهور الخدمات العمومية، تتجلى مظاهر الأزمة بوضوح على المستوى المحلي، حيث تمثّل خدمات النظافة ورفع الفضلات والتنوير العمومي إضافة إلى خدمات أخرى (كرخص البناء، الأسواق الأسبوعية واللزمات) مرآة حقيقية ومباشرة لفعالية السياسات العمومية للدولة.
منذ حل المجالس البلدية المنتخبة في مارس 2023، وتسيير البلديات “وقتيا” من قبل الكتاب العامين[1]، تعرف البلديات تعطيلا مؤسساتيا وقانونيا يعوق مهامها. فإضافة إلى مشاكلها البنيوية (ضعف الميزانية والتحويلات، ضعف استخلاص الأداءات على المستوى المحلي، ضعف القدرة التنفيذية لقراراتها…)، يكتسي التسيير الوقتي للبلديات صيغة تصريف الأعمال ويحول دون القدرة على المبادرة خاصة في ظل الترهيب الذي تعيشه الإدارة وبالأخص الكتاب العامين للبلديات، كما تنفي وضعية التسيير الوقتي من الإدارة البلدية إمكانية مسائلتها من قبل المواطنين.ات. ورغم وضع رئيس الدولة الكتاب العامين على رأس البلديات وعدم تنظيمه لانتخابات بلدية -رغم إبقائه على وجود مجالس بلدية منتخبة حسب مراسيم مارس 2023- فهذا لم يمنعه من جعلهم كبش فداء لتردي الخدمات المنوطة بعهدة البلديات، حيث تكررت إعفاءات الكتاب العامين للبلديات بالتوازي مع نسق الزيارات “الفجئية” التي يقوم بها رئيس الجمهورية للبلديات باسم محاربة الفساد[2].
إن تواصل حالة الاستثناء وتحولها إلى واقع مؤسساتي متواصل خاصة على المستوى المحلي لم يمكّن البلديات من لعب أي دور لتخفيف آثار الأزمات التي عرفتها هذه الصائفة من انقطاع للكهرباء وللمياه المعلبة ولتكرر الحرائق المرتبطة بالتغيرات المناخية، على عكس جائحة كورونا في سنة 2020 التي لعبت فيها البلديات والمجتمع المدني المحلي دورا أساسيا [3].
- مطالب إحداث البلديات: مؤشر للتمسّك بخدمات القرب
تكررت خلال الفترة الأخيرة مقترحات القوانين المتعلقة بإحداث بلديات جديدة، حيث بلغ عددها 35 مقترح قانون.

ويعكس هذا العدد جملة من المؤشرات حول واقع الحوكمة المحلية، حيث تظهر هذه المطالب رغم نسف مسار اللامركزية منذ 2023، أن إحداث البلديات لا يزال يرتبط في المخيال العام بتحسّن الخدمات المحلية، وهو ما يؤكّده تكرّر مطالب إحداث البلديات منذ سنة 2011، والذي مثّل أحد مرتكزات خيار تعميم التراب البلدي بموجب الفصل 131 من دستور 2014. كما يعكس تعدد مقترحات القوانين المتعلقة بإحداث بلديات جديدة، في ظل الصعوبات التي تعرفها البلديات المحدثة قبل سنة 2021، وخاصة محدودية الموارد والتراجع الصريح عن خيار اللامركزية، ضعفًا من النواب في الإلمام بالسياسات العمومية المتعلقة بالتخطيط الترابي، حيث لا يمكن إحداث بلديات جديدة في ظل انخرام الإطار القانوني والمؤسساتي للحوكمة المحلية التي تخضع في الآن نفسه لمرسوم 2023 وأحكام مجلة الجماعات المحلية (2018) -فيما لا تخالف المرسوم المذكور-، ورغم أن إحداث البلديات حسب مجلة الجماعات المحلية -التي كانت لا تزال نافذة جزئيا أثناء تقديم هذه المقترحات- يتمّ بقانون، فإن المعايير التقنية لإحداث البلديات تندرج ضمن مشمولات سلطة الإشراف، التي واصلت اعتماد الغموض في إدارة ملف الحوكمة المحلية، خاصة فيما يتعلق بالبلديات التي يتواصل تسييرها بصفة «وقتية» من قبل الكتاب العامين منذ مارس 2023 أي منذ ثلاث سنوات ونصف.
المرسوم عدد 4 لسنة 2026 يتعلق بالمجالس البلدية
- الرئيس المشرّع: حالة استثناء متواصلة
- مسار متواصل من تقويض اللامركزية
يمثل هذا المرسوم تتويجا لمسار متواصل من تقويض اللامركزية منذ انقلاب 25 جويلية 2021، فإن “نجت” المجالس البلدية جزئيا من اجراءات 25 جويلية 2021 التي مثلت أول حلقة من حلقات تقويض مؤسسات الانتقال الديمقراطي، فإن السلطة المحلية تم تحجيمها إلى فصل وحيد صلب دستور الرئيس لسنة 2022 الذي يمثل المرجع القانوني لإرساء “نظام البناء القاعدي” والذي تم على أساسه تنظيم الانتخابات المحلية في شهر ديسمبر 2023 بعد حلّ المجالس البلدية المنتخبة قبيل انتهاء عهدتها عبر المرسوم عدد 9 لسنة 2023، كما استغل رئيس الدولة سلطة مراسيمه لوضع تركيبة المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم والمجلس الوطني للجهات والأقاليم (المرسوم عدد 10) ولتنقيح القانون الانتخابي (المرسوم عدد 8) رغم أن دستور قيس سعيد نفسه يستثني المادة الانتخابية من التشريع بالمراسيم. مثّل حلّ المجالس البلدية شهرين قبل انتهاء عهدتها تجسيدا لإرادة واضحة لغلق قوس هذه التجربة التي لم يخف رئيس الدولة معاداته لها حيث يعتبرها تهديدا لـ”وحدة الدولة”.

موعد الانتخابات البلدية مجهول
بعد حلّ المجالس البلدية وتسييرها مؤقتا من طرف الكتاب العامين، ظلّ موعد الانتخابات البلدية مجهولا لدى الرأي العام إلى حد كتابة هذه الأسطر، وهي ممارسة متكررة منذ 25 جويلية 2021، حيث لا تخضع هذه المواعيد السياسية الهامة لأي نقاش ويظلّ تحديدها بيد الرئيس رغم أنه طرف سياسي معنيّ بها.
وقد تكررت تصريحات الهيئة حول هذا الموعد الانتخابي فيما يشبه التبرير بل التكهّن حيث ربط رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فاروق بوعسكر في مطلع 2024 إجراءها بقرار سياسي لا يكون ممكنا قبل 2025، بسبب التزامات الهيئة المتعلقة بالدور الثاني من الانتخابات المحلية وبالانتخابات الرئاسية. ثم أعاد في 1 ديسمبر 2024 ربطها بصدور قانون ينظم المجالس البلدية، وأكد في الشهر نفسه أن الهيئة ستكون جاهزة لوجستيا متى صدر القانون وأمر دعوة الناخبين. وعاد في جلسة مناقشة مهمة الهيئة لسنة 2026 أمام مجلس نواب الشعب ليعلن أنها بلغت المرحلة الأخيرة من الاستعداد التقني واللوجستي، وليعتبر 2026 السنة الأنسب لخلوها من استحقاقات انتخابية أخرى، مع تأكيده الحاجة الملحة إلى قانون أساسي جديد للبلديات[4]. تتغير التبريرات المقدمة من سنة إلى أخرى، دون أن يعرف المواطنون سبب عدم تنظيم هذه الانتخابات لا في 2025 ولا في 2026، بعد ثلاث سنوات حلّ المجالس البلدية. ولا تخلو هذه التبريرات من تناقض حيث لم يمنع غياب نص قانوني للمجالس المحلية الهيئة من تنظيم الانتخابات المحلية في ديسمبر 2023 رغم أن الحاجة لنص قانوني ينظّم عملها أشد لكونها مؤسسات مستحدثة[5].
مسار تشريعي ضبابي
لم تعلن السلطات عن أي معلومات للرأي العام حول مسار إعداد قانون جديد للمجالس البلدية والتي ظلت تعمل في ظل تشتت قانوني كبير[6]، وحسب الأصداء الشحيحة حول هذا المسار، تم تكوين لجنة صلب وزارة الداخلية للعمل على مشروع قانون جديد دون تشريك للمجتمع المدني أو للبلديات، مستوحى من قانون 1975 -أي يرسخ إعادة المركزة-، وبدا أنه أولوية سياسية خلال العودة البرلمانية 2025 خاصة بالنظر لتصريحات الهيئة. كما صرّح وزير الداخلية خلال جلسة استماع بمجلس نواب الشعب في شهر أفريل 2026 أنه قد تم إعداد مشروع قانون بالتنسيق مع جميع الوزارات، وقد تم استكمال جميع الاستشارات والنقاشات وهو ينتظر تعيين مجلس الوزراء للتداول في شأنه قبل إحالته للمجلس النيابي[7].
في المحصلة لم يتم إيداع مشروع القانون بالبرلمان حيث لجأ رئيس الجمهورية إلى آلية المراسيم ليصدر النص المتعلق بالمجالس البلدية قبل يوم واحد من انتهاء العطلة البرلمانية وتمثّل في المرسوم عدد 4 لسنة 2026 المؤرخ في 30 سبتمبر 2026 يتعلق بالمجالس البلدية. ليست هذه المناسبة الأولى التي لجأ رئيس الدولة إلى استغلال العطلة البرلمانية للتشريع بالمراسيم حسب الأهلية الدستورية التي أسندها لنفسه بموجب الفصل 73 من دستور 2022، فقد أصدر المرسوم عدد 1 لسنة 2024 مؤرّخ في 13 سبتمبر 2024 يتعلق بتنظيم العلاقات بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم والمرسوم عدد 1 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم مهنة العدول التنفيذ.
إن استغلال صلاحية التشريع بمراسيم قبيل العودة البرلمانية في غياب أي وضعية استثنائية تبررها، لا سيما بالنسبة لنصوص يستوجب أن تتخذ شكل قانون أساسي حسب الفصل 75 من دستور 2022 الذي ينص على: “ تتخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة بالمسائل التالية :… ـ المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم والهياكل التي يمكن أن تتمتع بصفة الجماعة المحلية.
ـ تنظيم الهيئات الدستورية.” يكشف عن تواصل تغليب الانفراد بالقرار على حساب التداول العام ولو في ظل الإطار المؤسساتي الذي أرساه رئيس الدولة بنفسه.
من جهة أخرى، نلاحظ تباينا جوهريا بين مساري إعداد هذا المرسوم ومجلة الجماعات المحلية الذي شارك في إعدادها خبراء ومواطنون ومجتمع مدني وإداريون بلديون، وقد انطلق من لجنة خبراء مستقلة واستشارات مواطنية جهوية قبل أن يمر بالمسار البرلماني، وقد تضمنت المجلة خيارات طموحة فيما يتعلق بالديمقراطية التشاركية والشفافية والتدبير الحر تجسيدا لخيارات دستور 2014[8].

رسم: المسار الزمني لمجلة الجماعات المحلية: أكتوبر 2015 – أفريل 2018
المصدر: البوصلة
تم إذن إلغاء مجلّة الجماعات المحلية (400 فصل) بمرسوم متكون من 140 فصل مثّل عودة لما قبل 2011 وإنهاء لخيار اللامركزية.
- مرسوم 2026: عودة لما قبل 2011
كقراءة أولية لمحتوى المرسوم عدد 4 لسنة 2026، يمكن القول إن محتواه أعاد واقع الحوكمة المحلية لما كان عليه قبل 2011، تأكيدا لهذه الانتكاسة على المستوى الدستوري حيث أعاد دستور 2022 الحال إلى ما هو عليه في دستور 1959 عندما خصّ الجماعات البلدية بفصل يتيم. على مستوى النص، تبدو فلسفة قانون [9]1975 بارزة في هذا المرسوم الذي اقتبس منها العديد من الفصول مع بعض الاقتباسات من مجلة الجماعات المحلية 2018.
– تركيبة جديدة للمجلس البلدي: نص الفصل 8 من المرسوم على تركيبة جديدة للمجالس البلدية: “يدير شؤون المنطقة البلدية مجلس بلدي تتكون أجهزته من لجان ومكتب وإدارة بلدية”، وهي صيغة غير مفهومة توحي بأن الإدارة البلدية أصبحت جزءا من المجلس البلدي، وتتعارض حتى مع قانون 1975. يذكر أن القانون الانتخابي حسب تنقيحه من المرسوم عدد 8 لسنة 2023 نص على أن يكون عدد أعضاء المجلس البلدي المنتخبين إما 8 أو 16 أو 24 عضوا حسب عدد سكان البلدية (الفصل 117 مكرر جديد من القانون الانتخابي[10]).
– التفرغ: في حين شمل التفرغ حسب الفصل 6 من مجلة الجماعات المحلية جميع رؤساء الجماعات المحلية، وقع حصره حسب الفصل 48 من مرسوم 2026 في ثلاث حالات: رؤساء بلديات مركز الولاية، حسب عدد السكان (مثل قانون 1975) أو مبلغ محدد لمداخيل البلديات (يحدد عدد السكان والمداخيل بقرار مشترك من وزيري الداخلية والمالية)، ويذكر أن رئيس المجلس البلدي يكون آليا الحائز على المرتبة الأولى في الانتخابات -على الأفراد- ومساعده الأول هو الحائز على المرتبة الثانية حسب الفصل 117 تاسعا من القانون الانتخابي لسنة 2014 المنقح بالمرسوم 8 لسنة 2023. كما نص المرسوم على منحة تمثيل لأعضاء المجالس البلدية والرؤساء غير المتفرغين تحدّد بأمر في حين كان أعضاء المجالس البلدية متطوعون حسب مجلة 2018. في مقابل ذلك، نص الفصل 20 من المرسوم على اعتبار عضو المجلس البلدي مستقيلا بعد ثلاثة غيابات متتالية أو ستة غيابات متقطعة عن جلسات المجلس البلدي.
– اللجان: وضع المرسوم حسب الفصل 33 ثلاثة لجان قارة وجوبا مقابل 4 في قانون 2018، واستمد من قانون 1975 (فصل 13) عدم ممارسة اللّجان لصلاحية المجلس البلدي ولو بتفويض، وأضاف حسب نفس الفصل إلزامية درس اللجنة المعنية لأي مسألة قبل أن يتداول فيها المجلس إلا في صورة التعذر.
عودة الرقابة المسبقة وصلاحيات موسعة للوالي
يعد خضوع قرارات المجلس البلدي لموافقة الوالي تراجعا واضحا عن خيار اللامركزية وعودة صريحة للرقابة المسبقة التي كانت سائدة قبل 2011. وقد نص الفصل 29 على توجيه رئيس المجلس البلدي “ نسخة من المحضر الكامل للمداولات والقرارات المتخذة لتنفيذه إلى الوالي في أجل ثمانية أيام من تاريخ انتهاء دورة المجلس.. مع مراعاة أحكام الفصلين 30 و31 من هذا المرسوم، تكون مداولات وقرارات المجلس البلدي نافذة بعد انقضاء أجل شهر من تاريخ إيداعها بمركز الولاية”.
تكون القرارات إذن نافذة بعد انقضاء شهر من إيداعها بمقر الولاية دون اعتراض من الوالي، في حين اشترط المرسوم في فصله 30 مصادقة الوالي للمداولات المتعلقة بالمواضيع التالية:
– أمثلة التهيئة العمرانية،
– الميزانية البلدية وتنقيحها وختمها وتحويل الاعتمادات،
– برنامج الاستثمار البلدي،
– الاقتراض،
– ضبط المعاليم البلدية،
– التفويت والمعاوضة في العقارات،
– إحداث المرافق العمومية والتصرف فيها،
– ترتيب أجزاء الملك البلدي العام والإخراج منه،
– قبول الهبات والوصايا،
– اتفاقيات التعاون،
– إحداث الدوائر البلدية وضبط حدودها.
في صورة اعتراض الوالي على قرارات المجلس البلدي يتم إيقاف تنفيذ القرار (الفصل 31)، في صورة رفض المجلس البلدي مراجعة القرار الذي تم الاعتراض عليه يلغي الوالي وجوبا القرار المعني (الفصل 32). ولا ينص المرسوم على أي إمكانية للمجلس البلدي للطعن في قرار الإلغاء ما يرسّخ التفاوت الكبير في الصلاحيات لصالح الوالي والسلطة التنفيذية على حساب المجلس البلدي.
حلول الوالي: نصّت مجلة الجماعات المحلية على إمكانية ممارسة الوالي، بصفة استثنائية، لما يُعرف بسلطة الحلول، أي مباشرته اختصاصات تعود في الأصل إلى الجماعات المحلية، وذلك وفق شروط وضمانات محددة. كما ربطت المجلة انتهاء التدخل بزوال أسبابه[11]، بما شكّل إحدى الضمانات للحد من هذه الآلية التي قد تؤدي إلى المساس باستقلالية الجماعات المحلية. أبقى الفصل 46 من مرسوم 2026 على إمكانية حلول الوالي محلّ رئيس البلدية بعد توجيه تنبيه كتابي، لكنه حذف ربط انتهاء التدخل بزوال أسبابه، وهو ما يمثّل تراجعًا عن إحدى الضمانات التي كانت تحدّ من اتساع نطاق هذه الآلية.
إيقاف وإعفاء رئيس المجلس البلدي
يُعيد مرسوم 2026، فيما يتعلّق بالإيقاف والإعفاء، إقرار صلاحيات واسعة لوزير الداخلية في مواجهة رؤساء المجالس البلدية ومساعديهم. فقد أبقى الفصل 51 على إمكانية إيقاف الرئيس أو أحد مساعديه لمدة أقصاها ثلاثة أشهر، بقرار معلّل من وزير الداخلية وبعد سماعه من الوالي أو مطالبته بتقديم بيانات كتابية، عند ارتكاب أفعال «تنطوي على مخالفة صريحة للقانون وأحدثت ضررا فادحا بالمصلحة العامة»، مع إحالة الملف على القضاء “في صورة وجود شبهات جدية في ارتكاب أفعال يجرمها القانون”.
أما الفصل 52 المتعلق بالإعفاء فقد جعل إعفاء رئيس المجلس البلدي أو أحد مساعديه يتم بقرار من وزير الداخلية بعد سماع رئيس المجلس “إذا ثبتت مسؤوليته عن الأفعال المنصوص عليها بالفصل “51، خلافا لمجلة 2018 التي كانت تشترط صدور أمر حكومي معلّل بعد استشارة مكتب المجلس الأعلى للجماعات المحلية.
وفي حالتي الإيقاف والإعفاء، أتاحت مجلة الجماعات المحلية الطعن في القرارات أمام المحكمة الإدارية، مع إمكانية طلب توقيف تنفيذها، كما كانت تجعل سريان القرار مشروطا برفض مطلب توقيف التنفيذ أو بانقضاء أجل تقديمه. وقد حذف مرسوم 2026 هذه الضمانات من أحكام الإيقاف والإعفاء، ما يعزز الصلاحيات شبه المطلقة للسلطة التنفيذية في علاقة بالمجالس البلدية التي باتت تفتقر لأية استقلالية.
وتتمثل هذه الضمانات في الاستماع الى أعضاء المجلس البلدي وتمكينهم من حق الدفاع قبل اتخاذ قرار الحل أو الإيقاف، وفي تمكين رئيس المجلس البلدي أو ثلث أعضائه من الطعن في قرارات الحل أو الإيقاف أمام القضاء الإداري باعتماد آجال مختصرة[12].
إيقاف، حل وانحلال المجلس البلدي
-انحلال المجلس البلدي: نص الفصل 55 على انحلال المجلس البلدي في حالتين: الاستقالة الجماعية أو المتزامنة أو سحب الوكالة المتزامن مع تعذر التعويض وفقدان النصاب (وهو 3 أرباع المجلس البلدي حسب الفصل 18)؛ وعدم المصادقة على الميزانية في الأجل المحدد بـالفصل 79.
وكانت مجلة الجماعات المحلية تنص على انحلال المجلس البلدي في صورة استقالة أغلبية أعضائه (50+1) بينما كانت الأغلبية المطلوبة لسحب الثقة من رئيس.ة البلدية ¾ الأعضاء، وهو ما أدى إلى تكرر ظاهرة انحلال المجالس البلدية بسبب الخلافات مع رؤساء المجالس البلدية[13].
-حلّ المجلس البلدي: نص الفصل 56 من المرسوم على حل المجلس البلدي بأمر لإخلال خطير بالقانون أو تعطيل بيّن لسير المرافق، بعد سماع الأعضاء من الوالي وتمكينهم من الدفاع؛ وللوزير في التأكد إيقاف المجلس شهرين بتقرير معلل من الوالي؛ والكاتب العام يسير الشؤون العادية تحت إشراف الوالي إلى حين التعيين.
ألغى المرسوم الضمانات التي تضمنتها مجلة الجماعات المحلية 2018 للحد من مخاطر حل المجالس البلدية وهي استشارة المجلس الأعلى ورأي المحكمة الإدارية وسماع الأعضاء واشتراط “استحالة اعتماد حلول أخرى”؛ وخاصة إمكانية الطعن أمام المحكمة الإدارية.
إحداث البلديات
فيما يخص إحداث البلديات، نص الفصل الثاني على إحداث البلديات بأمر في عودة إلى منطق 1975 (الإحداث والتغيير بأمر) بعد أن جعلته مجلة 2018 بقانون. وقد نص المرسوم على معايير الإحداث وهي عدد السكان، الموارد المالية، التقسيم الإداري لتراب الجمهورية، التوازنات المالية للدولة، التجانس العمراني والمحيط الطبيعي، توفر البنية الأساسية والمرافق العمومية.
الميزانية
نص الفصل 75 من المرسوم على مصادقة الوالي على ميزانية المجلس البلدي وهو عودة لمنطق قانون 1975 الذي ينص على مصادقة “سلطة الإشراف” (الفصل 26). ويرسخ هذا الفصل شكلية الاستقلالية المالية المنصوص عليها في الفصل الأول، حيث لا تتجاوز كون للبلديات ميزانية منفصلة محاسباتيا لتيسير التصرف كما هو الحال في ظل قانون 1975[14].
العلاقة مع المجالس المحلية
تمّ نهاية سنة 2023، إجراء انتخابات “محلية” دون نص قانوني ينظم صلاحيتها في غياب أي بعد سياسي أو تنافسي حيث عرفت 26 دائرة انتخابية بيضاء (دون مترشحين) و218 دائرة بمترشح وحيد أدت إلى انتصاره آليا[15]، وظلت هذه المجالس “تعمل” دون قانون ينظم صلاحيتها لأكثر من سنة. وقد مثلت العلاقة بين المجالس المحلية التي أحدثها رئيس الدولة بالمرسوم عدد 10 لسنة 2023 والمجالس البلدية إحدى أبرز الإشكاليات التي أحدثتها مراسيم 8 مارس 2023، حيث تتداخل هذه المجالس ترابيا (العمادة والبلدية والتي صار تطابقها إلزاميا حسب الفصل 2 من المرسوم) ولم تبين النصوص الصادرة فيما بعد كالقانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم، صلاحيات ومجالات تدخل كل مجلس[16].
لم يجب المرسوم عدد 4 لسنة 2026 عن هذه الإشكاليات حيث اقتصر على التنصيص على عقد ندوة جهوية تحت إشراف الوالي بحضور رؤساء المجالس البلدية والمجالس المحلية والمجلس الجهوي ومجلس الإقليم بالإضافة للمعتمدين وممثلي الإدارات الجهوية. وهذه الآلية المستمدة من قانون 1975[17] غير كافية لتوضيح مجالات التدخل ولتفادي تنازع الصلاحيات بين المجلسين، ولا تتجاوز كونها إطارا استشاريا شكليا.
خاتمة
لم يكن فيما حمله المرسوم من خيارات ما يدعو إلى الاستغراب، فهو الحلقة الأخيرة في مسار مكتمل الأركان: عداءٌ معلن للامركزية، فصل دستوري يتيم يعيد اللامركزية إلى وضعها تحت دستور 1959، ومشروعٌ منافس هو “البناء القاعدي”. غير أنّ الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، فقد جرى التفريط حتى في الحدّ الأدنى الشكلي: تشريعٌ بالمراسيم في ظلّ “برلمان” قائم، وتناقضاتٌ قانونية صلب النصوص تنبئ بتواصل حالة العطالة المؤسساتية.
عوض إنهاء حالة الاستثناء، يبدو أن هذا النص سيرسخ تواصل المشهد الهجين على المستوى المحلي: مجلسان يتمتعان بشرعية انتخابية على الرقعة الترابية ذاتها، أحدهما دون موارد ولكنه مسنود خطابيا ورمزيا من السلطة، يسلط ضغطا على مجالس بلدية ما زالت تملك، على محدوديتها، بعض أدوات الفعل من ميزانية وإدارة وموارد.
من جهة أخرى، تمعن الخيارات المضمّنة في هذا النص في مسار إلغاء السياسة من الفضاء العام ومن مؤسساتها الحيوية، وتعيد البلديات فعليا إلى ما قبل 2011: لامركزيةُ خدماتٍ مفرغة من السياسة، محصورة في خدمات القرب التقليدية، من نظافة ورخص بناء، دون قدرة على أن تكون فضاء صراع وتداول سياسي ومواطني.
يجسّد هذا الخيار المؤسساتي بعد انتقاله من الخطاب الرئاسي إلى سياسة دولة، تصوّرا ماضويا لهذه المجالس يحيي “رؤية تستنقص من دور البلدية باعتبارها جهازا غير سياسي أنشأته السلطة المركزية لإعانتها على التكفل ببعض الخدمات الأساسية لفائدة متساكني البلدية بعيدا عن فكرة الاستقلالية عن السلطة المركزية أو فكرة السلطة المحلية“[18]. والحال أنّ الأزمة المناخية والطاقية الخانقة التي عاشتها البلاد في صائفة 2026 كشفت عن الدور الحيوي الذي يجب أن تلعبه البلديات، في ظل تفاقم آثار التغيرات المناخية، وفي ظلّ استمرار سياسة التقشف وانسحاب الدولة من لعب دورها الاجتماعي.
[1] البوصلة (مارس 2023): قراءة أولية في مراسيم 8 مارس 2023: قتل المواطنة باسم البناء القاعدي
[2] البوصلة (فيفري 2026): البناء القاعدي: من نبوة الرئيس إلى سياسة دولة، حصيلة جوفاء لمسار عبثي
[4] البوصلة (فيفري 2026)، تم ذكره
[5] البوصلة (2024): الانتخابات “المحلية” أو مشروع الرئيس الأصلي: مسار لا سياسي وغموض قانوني أدى إلى مقاطعة واسعة
[6] تقرير البوصلة (2025): البناء القاعدي – من نبوة الرئيس إلى سياسة دولة – حصيلة جوفاء لمسار عبثي
[7] الصباح نيوز 14 أفريل 2026: وزير الداخلية في جلسة برلمانية: إعداد مشروع قانون أساسي يتعلق بالمجالس البلدية
[8] البوصلة (2024): “حصيلة تجربة اللامركزية في تونس: مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي”، ص40
[9] قانون أساسي عدد 33 لسنة 1975 مؤرخ في 14 ماي 1975 يتعلق بإصدار القانون الأساسي للبلديات
[10] قانون أساسي عدد 16 لسنة 2014 مؤرخ في 26 ماي 2014 يتعلق بالانتخابات والاستفتاء
[11] تضمنت الصيغة النهائية لهذا الفصل إحدى مقترحات منظمة البوصلة. انظر صفحة مشروع القانون على موقع مرصد مجلس (منظمة البوصلة): الرابط
[12] البوصلة (جانفي 2024): حصيلة تجربة اللامركزية في تونس : مساهمة في تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي, ص55
[13] للاطلاع على نقاشات النواب حول انحلال المجالس البلدية بالاستقالة المتزامنة لأغلبية الأعضاء :
[14] ناجي البكوش (2022): اللامركزية من أجل الديمقراطية، قانون الجماعات المحلية. منشورات مركز الدراسات الجبائية بكلية الحقوق بصفاقس. ص86
[15] البوصلة (مارس 2024): الانتخابات “المحلية” أو مشروع الرئيس الأصلي: مسار لا سياسي وغموض قانوني أدى إلى مقاطعة واسعة
[16]البوصلة (أفريل 2025): قراءة في القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم: نص هزيل لمجالس صوريّة
[17] ف138: ندوات سنوية جهوية بين البلديات برئاسة الوالي، وندوة وطنية مرة كل سنتين برئاسة وزير الداخلية
[18] البكوش (ن.)، اللامركزية من أجل الديمقراطية: قانون الجماعات المحلية، تونس، 2022، صفحة 224
. على سبيل المثال، رصدت منظمة البوصلة في سبتمبر 2021 عددا من الممارسات التي اتبعتها البلديات للمساهمة في ادارة الازمة و حفظ الصحة العامة نذكر منها:
- توفير البلديات للقاعات التي تشرف عليها للإدارات الجهوية الصحية لاحتواء مرضى الكورونا وتلقيح المواطنين والمواطنات
- توزيع المساعدات خاصة خلال فترة الحجر الصحي الشامل
- تعقيم الأماكن العامة كالشوارع والمستشفيات وبعض المؤسسات العمومية
- المحافظة على استمرارية الخدمات الإدارية الحياتية خلال فترة الحجر الصحي الشامل
- توفير التلقيح للمسنين في المنزل
وعلى المستوى المؤسساتي
- إصدار قرارات ترتيبيّة كمنع استعمال الأكواب البلورية والشيشة
- اقتراح مواصلة الحجر الصحي ببعض المناطق البلدية التي تشهد ارتفاع في عدد المصابين
البوصلة: تقرير 2023